الأحد، 19 يناير 2014

الشيخ والبحر..


ارنست همنغوي

لوحة قديمة من تخطيطي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ارنست همنغوي
*************

   ولد أرنست همنغوي (اللقب همنغوي هو لقب إنجليزي، ترجمت أعماله في بعض الدول العربية تحت اسم إرنست"همنجواي" وهو اسم خاطئ)، يوم   21يوليو 1899 ، دخل معترك الحياة المهنية مبكرا، حيث عمل صحفيا، أول عمل أدبي له "الشمس تشرق أيضا" التي لاقت نجاحا منقطع النظير. عام  1929 عاد مع زوجته الثانية بولين بفيفر إلى أوروبا حيث نشر واحدا من أهم أعماله هو "وداعا أيها السلاح"، ما بين 1936 و 1938عمل مراسلا حربيا لتغطية الحرب الأهلية الإسبانية، وقد سمحت له هذه المهمة بالتعبير عن عدائه الشديد للفاشية. وعام 1940 علامة فارقة في أدب همنغوي حيث نشر"لمن تقرع الأجراس" لتحقق نجاحا خارقا وتتجاوز مبيعاتها المليون نسخة في السنة الأولى.
    تميز أسلوبه بالبساطة والجمل القصيرة (الأسلوب البرقي). وترك بصمته على الأدب الأمريكي الذي صار همنغوي واحدا من أهم أعمدته. شخصيات همينغوي دائما افراد ابطال يتحملون المصاعب دونما شكوى أو ألم، وتعكس هذه الشخصيات طبيعة همنغوي الشخصية.
   حاز همنغوي جائزة بوليتزر الأميركية عام 1952 كما حصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1954 عن رواية) الشيخ والبحر) وهي تجسد قصة صراع الإنسان في الحياة، ولذة الكفاح حتى آخر العمر. وذلك من خلال سردها لتجربة صياد عجوز لم يصطد أية سمكة لأيام كثيرة (85) يوما!، حتى أن والدا الغلام الذي كان يساعده ألزماه بترك هذا الشيخ المنحوس. خرج الشيخ للصيد بقاربه إلى البحر وحيداً. وعند الظهر اصطاد سمكة ضخمة جدا (18 قدم)!، سحبت قاربه إلى الشمال والشرق لمدة يومين وليلتين. ثم تعلق بالخيط الثقيل مضاهياً بقوته وتحمله قوة وتحمل السمكة. وفي اليوم الثالث يجذب السمكة نحو السطح ويقتلها بحربته، ثم يربطها على طول قاربه، وينشر شراعه الصغير ويبدأ رحلة العودة الطويلة حيث تنقض أسماك القرش لتمزيق لحم السمكة ويحاول هو أن يقاتلها ويبعدها، فيتهشم مجذافاه ودفة القارب. وحين يعود ليرسو في المرفأ، لا يكون قد بقي شيء من السمكة سوى رأسها والهيكل العظمي والذيل. ثم يرسو بقاربه مبقياً على هيكل السمكة مربوطاً به. يصل إلى كوخه، منهك القوى.. وينام وفي الصباح يتحلّق الصيادون حول هذا الصيد العجيب..
وكما عبّر على لسان بطله ( قد يتحطّم الإنسان ولكنه لا ينهزم..) 
   توفي عام 1961 وأختلفت الروايات حول وفاته بين حادث موت غامض أو إنتحار، ومن رجّح رواية الإنتحار أستند إلى تاريخ أسرته الحافل بالانتحار. حيث انتحر والده (كلارنس همنغوي)، وأختاه غير الشقيقتين، فحفيدته.
من رواياته الشهيرة:
(الشمس تشرق أيضا) و(وداعاً للسلاح) و(لمن تقرع الأجراس) و(الشيخ والبحر) و(ثلوج كليمنجارو) و( عبر النهر نحو الأشجار)
والعديد من المجموعات القصصية.

الأربعاء، 15 يناير 2014

عودة الابن الضال



لوحة قديمة من تخطيطي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عودة الابن الضال
****************
يوسف شاهين (1926– 2008)
   وأنا أقلّب بعض الأوراق القديمة أتأمّل في بعض التخطيطات والبورتريهات (بالفحم) لبعض الشخصيات الفنية والأدبية، وقد كنت مغرماً بممارسة الرسم كهواية في وقت ما، ومنها هذا البورترييه للفنان السينمائي يوسف شاهين. هذا الفنان المتفرّد بأسلوبه في الإخراج السينمائي، والمفكر العميق الذي لايقف عند سطح الأحداث، بل يغوص في العمق الاجتماعي والتاريخي لموضوعه ليقدّم رؤية، والأقرب والأجدر أن نطلق عليها  (رؤيا)، لما فيها من تحليل عميق للأسباب واستشراف دقيق لآفاق المستقبل. لن أتحدّث عن أعمال الفنان وأسلوبه، ففي الويكيبيدبا والمواقع والمراجع الكثيرة عنه ما يُغني لمن أراد متابعة النتاج الفني لهذا الفنان المتميّز.
   إنّ أصدق وصف يمكن أن ينطبق على هذا الفنان، أنّه (فنان نقدي) لا يُسلّم بتاتاً ولا يركن أبداً إلى الخطاب الأيديولوجي السائد أو تفرعاته المتعددة والمضادة، بما تتّسم به، عادة، هذه الخطابات من سطحية وتبسيطية ساذجة، لا تجيب عن الأسئلة العميقة للعقول التي تبحث عن أجوبة حقيقية وشافية عن واقع اجتماعي- تاريخي معقّد. سأقتصر في حديثي عن فلم من أفلامه الإشكالية، (عودة الابن الضال)، هذا الفلم الذي بهرنا في نهاية سبعينيات القرن العشرين (أنتج الفلم عام1976 ) الذي هرعنا كشبّان لمشاهدته في دور السينما (شاهدته شخصياً مع بعض الأصدقاء لثلاث مرّات)، مأخوذين بالبناء الفني والفكري المركب للعمل، وما يحفل به من اغنيات معبّرة ومؤثّرة للفنانة الرائعة ماجدة الرومي، من كلمات صلاح جاهين (الذي شارك الفنان يوسف شاهين بكتابة الفلم). ولمن لا يعرف ما يعنيه عقد السبعينيات لدول المنطقة تاريخياً، لن يستطيع الإلمام بأهمية الفلم ومغزاه، فقد وضعت تلك السنوات منطقتنا ومجتمعاتنا ودولنا أمام خيارين لا ثالث لهما إمّا الإفلات من هيمنة قوى رأسمال المال العالمية، والتحرّر الفعلي واستكمال شروط التنمية والتحديث للدول الوطنية التي نشأت بعد (سايكس-بيكو)، وبناء مجتمعات حديثة تضمن للإستقلال السياسي بقاءه وتعطيه مضمونه الإنساني الراسخ ببناء بنية اجتماعية حديثة وإنسان عصري، أو البقاء في فلك التبعية للقوى الأقتصادية العالمية، والإستسلام للبنى والقيم المحلية المتخلّفة والقديمة، التي تجاوزها العصر الحديث بفكره وقيمه وعلومه. وكلّ خطاب كان يجري عن (طريق ثالث) مزعوم، ما كان إلاّ تملّصاً وهروباً من إنجاز الشروط الأجتماعية والفكرية (للحداثة)، وهذا ما كان..! وما نعيشه اليوم من تردٍّ ونكوص، إن هو إلاّ نتائج حتمية لتلك السياسات الكارثية التي كانت تهيمن على المشهد العام في تلك السنوات الحاسمة.
   أعود لـ(عودة الابن الضال) ويوسف شاهين الفنان صاحب (الرؤيا) والبصيرة .. لم نكن بعد مشاهدتنا الفلم بقادرين، حينذاك، على تمثّل واستكناه مغزى تلك النهاية الدامية للفلم، مجزرة اقتتال العائلة البرجوازية الكبيرة حتى يصرع أحدهم الآخر في مشهد من مشاهد العنف والوحشية، ولم ينجُ من تلك المجزرة إلاّ الجيل الشاب الذي يغادر نحو المستقبل (الفجر) بصحبة عائلة من الطبقة العاملة. نعم وصلتنا الرؤية النقدية للفلم لما يمكن أن ينتج عن غياب الحريات واستبداد أقلية جاهلة بمصائر الأغلبية من طبقات وفئات المجتمع، وهيمنتها على السلطة والقرار بيد من حديد، لكن تلك النهاية العنيفة والقاسية لم تكن مقنعة لنا كمصير حتمي، في ذلك الوقت المبكر، (والذي يدعوه البعض اليوم، قياساً على زمننا الدموي الراهن، "بالزمن الجميل"!)، وربّما عددناها شكلاً من أشكال الفانتازيا ومبالغاتها المعهودة!.. وما ذلك إلاّ لسبب بسيط وهو أنه لم يكن أمامنا، ولم يكن يخطر ببالنا في تلك الفترة، أن تمضي الصراعات الاجتماعية إلى هذا القدر من الوحشية والدموية التي نشهدها اليوم.. ولكن الفنان يرى بخياله الواسع ما لايراه الباحث بمنطقه الصارم!
   اليوم فقط أدرك كم كانت رؤيا يوسف شاهين متواضعة! رغم عنفها وقساوتها، اليوم حين أرى ما تضطرم به مجتمعاتنا من صراعات وحشية وشلّالات الدم التي تتدفق في المنطقة، ودولها تشارف على الإنقراض كوحدات سياسية رصينة، وتفشّي الأفكار المتطرّفة وتمكّنها من عقول أفراد مجتمعاتنا كباراً وصغاراً، والنكوص المرعب إلى أفكار وقيم ما قبل الحداثة، والتي تفضي إلى هاوية وحضيض كالتي عبّر عنها الفيلسوف الأنجليزي (هوبز).. حرب الجميع ضد الجميع.. أقول هل رأى الفنان ابعد مما يمكن وأكثر مما يُتصوّر! وهل كانت لقطتا (المهرّج) في بداية ونهاية فلم (عودة الابن الضال).. سخرية سوداء؟ مما رآه الفنان واحتجب عنا لما ينتظر مجتمعاتنا من كوارث، أشارة ساخرة ومريرة وضعها الفنان للتعبير عن (بؤس الوعي) الذي قادنا ويقودنا إلى بحور الدم الحالية، لا يستطيع أيّ خيالٍ مهما كان سوداوياً أن يتخيّله..؟!
   فلم (عودة الابن الضال) ربّما كان الوقت الحالي، هو الوقت الأنسب  لمشاهدته والتمعّن في مفرداته وتفاصيله ومآلاته الكارثية، لما نشهده كل ساعة وكل يوم من اضطراب وعنف ووحشية ودم، في الكثير من دول ومدن منطقتنا الملتهبة والمنذرة بالمزيد من المآسي والكوارث! وللتأمل في رؤى فنان من ذاك الزمان، لما سيؤول إليه واقعنا الاجتماعي من عدمية ودمار، بغضّ النظر عن التفاصيل، دولنا ومجتمعاتنا التي كانت تُقاد من قبل أحزاب ونخب سياسية وفكرية قاصرة وعاجزة عن أداء مهامها الأساسية في التقدّم والتحديث الجذري، في فترة حاسمة وفاصلة من تاريخنا.. في ظلّ عالم مضطرب وحافل بصراعات حادة وعنيفة لا يتورع عن تحويل دول بكاملها إلى هشيم، ومجتمعات بأكملها إلى جماعات مهاجرة! أو جماعات متقاتلة حدّ الفتك والإفناء التام لبعضها البعض..

    


الأحد، 29 ديسمبر 2013

ذوبان





   العمر محطات والإنسان في سفر دائم، فما الذي يذكّرنا بالمحطات التي مررنا بها، والذاكرة لا تسعفنا عندما نلجأ إليها، فكان التدوين بكل أشكاله حيلة الإنسان ضد النسيان.. وأنا أقلّب في أوراق ومحفوظات قديمة (منتصف الثمانينيات)، إذا بي أجد بعض التخطيطات واللوحات المتواضعة، حينما كان في النفس هوى للرسم والألوان، ومنها هذه اللوحة التي أسمّيها الآن (ذوبان)، فقد تناولت فيها موضوع الغروب، فإذا بي أجعل الألوان، إضافة إلى عتمتها، وكأنها تسيل وتذوب، خاصة أوراق الشجر الغارق في عتمة الألوان، وأفول الأشكال في ظلام الليل الذي ستغفو فيه، حتى يحين موعد شروق يوم جديد.. لستُ محترف رسم لكنه أثر من هوى قديم !  

الاثنين، 30 سبتمبر 2013

الأغنية الإيروسية


((الحنّة ياحنة لشادية.. الأغنية الإيروسية !))
*******************************
   العلاقة الأكثر حسية وحميمية وجوهرية للكائن البشري، هي العلاقة التي تجد مثالها الأرقى في علاقة الرجل والمرأة. وكما وصفها أحد كبار المفكرين (( العلاقة الأكثر طبيعية بين الانسان والانسان، هي العلاقة بين الرجل والمرأة)). الفرق بين اللحظة الجنسية الحافلة بالتوهج الحسي والآني وبين اللحظة الفنية بتعبيرها الجمالي التي هي في جوهرها محاولة لتأبيد الحسي والآني وتخليده.. محاولة للأحتفاظ باللحظة العصية على الأستمرار واستدامة ما يكتنفها من أحاسيس ومشاعر لذيذة، محاولة لإستعادة ما يهرب ويفلت منا! إنها لعبة التغلب على الزمن بالفن! فالفن الايروسي بتركيزه على التصوير الجمالي والإيحاء الشعري، دون الإنزلاق إلى التعبير البورنوغرافي المباشر والفج للحب. إنّ الفرق بينهما مثل الفرق بين الطعام النيء والطعام المطبوخ، وبين الفعل البيولوجي المكشوف، وفعل الحب المشحون بالعاطفي والشعري والجمالي. إنها قضية ارتقاء العلاقات الأنسانية بفعل التراكم الحضاري، ونمو الحاسة الجمالية للانسان. إنها الممارسة الفنية الجمالية لما هو طبيعي..

   إن أغنية (الحنة.. الحنة) لشادية هي من الأغاني المتميزة، التي تبدأ بايقاع متوهج، وتحتفي الأغنية بالصوت البشري للكورس الذي يفتتح الغناء بلحن عذب، مستدرجاً انتباه الحواس والمشاعر. إن رقة ونعومة وصفاء صوت شادية يضيف للحن عذوبة حسية فائقة. أمّا كلمات الأغنية فهي صياغة جمالية ومقاربة شعرية على درجة عالية من القدرة الفنية، إنْ في بناء الصور الشعرية أو بالتعبير الجمالي الذي لا يخلو من رمزية معبرة. وما يميز كلمات الأغنية أيضا هو التناول غير المألوف كثيرا في أغاني الحب لموضوع علاقة الحب بعيداً عن المصادرة الذكورية! للتعبير. حيث نجد حضوراً لافتاً للشخصية الأنثوية للمرأة وتعبيراً صريحاً عن مشاعرها، خاصة أن الكلمات هي على لسان المرأة. وسأركز قليلاً على الدلالات الشعرية والأجتماعية والأنسانية لهذه الكلمات. أولا (الحنة) بدلالتها الأجتماعية التي تحيل إلى الزواج ومؤسسة العائلة وأن الحسي والعاطفي والجنسي يدور كله في إطار مقبول إجتماعياً، مما يعفي الكاتب من أيّ إحراج أخلاقي! فالأمر كله مشروع وأيّ حرية وتطرف في التعبير لن يكون خارج سياق المألوف الاجتماعي. لكن ما يحسب للأغنية حقاً هو إبرازها لمشاعر وحاجات المرأة بشكل يقرب من الجرأة التي لا يستسيغها الكثيرون، فكيف لأمرأة أن تقول (الصبر ده حاجة محالة/ يا أروح له يا اقوله تعالا).. وهذا مما يعدّه كثير من المستعمرين لجسد المرأة! منتهى الوقاحة! فكيف لأمرأة أن تطمح وتفكر باقتسام الملكية الجنسية الحصرية للرجل- الذكر (والفرحة الكبيرة نقسمها سوى) سيصرخ أمثال هؤلاء : هذا فحش مابعده من فحش!. ولا تخلو الأغنية من الأشارة إلى ما في وضع المرأة من سلبية الأنتظار ( استنى واستنى لما تفوت على بستانا ) لكنها تؤطرها بصورة شعرية تقلب ذلك المخيال المتوارث عن البستان والجنة، فإلى جانب سلبية انتظار المرأة لمرور الحبيب على بستان (العائلة) لاكتساب الشرعية الاجتماعية، إلاّ أنها تقلب التصور الراسخ عن قصة السقوط والخروج من الجنة. فجنة الحب هنا مباحة وخارج دائرة التأثيم لفعل الحب، لا بل أن المرأة تغدو ايجابية وفاعلة وتهدي (شال الأفراح.. مليان ورد وتفاح..) فتنقلب الصورة النمطية لقصة آدم وحواء، بما لكلمة (التفاح) من دلالات واضحة، فعلاقة الحب لم تعد خروجا من الجنة وسقوطاً، إنّما هي دخول إلى هذه الجنة التي يتوق أليها الجميع، لكنّ القيد الأخلاقي يجعلها محملة بتاريخ طويل من مشاعر التأنيب والإثم..

   ملاحظة أخيرة حول هذه الأغنية، فقصتها مستمدة من واقعة تاريخية بعيدة ولكنها تحملت ما تحملت من حمولات الخيال الشعبي.. فالقصة التاريخية تتحدث عما رافق موكب الأميرة قطر الندى (أسماء بنت خمارويه بن أحمد بن طولون) من أفراح وبذخ خيالي وهي تُزف إلى أبن الخليفة العباسي المعتضد الذي أستأثر بها لنفسه! في إطار صفقة سياسية من زواج المصالح المعروف في التاريخ القديم بين الحكام.. ويُرجع البعض أصل الأغنية إلى ذلك العهد وما رافقها من فرش الموائد العامرة بأطايب الطعام للعامة والفقراء! فكانت أفراحهم مجزية جداً !!!       
    
       
كلمات مرسي جميل عزيز.. الحان بليغ حمدي

الحنة ياحنة ياحنة يا قطر الندى
يا شباك حبيبي ياعيني جلاب الهوى


لا لا لا  لالا    الصبر ده حاجة محالة
يا أروح له يا أقوله تعالا
لو يطلب مني العين
راح أقوله خد الإتنين
وتحني الليالي فرحتنا سوى
وأفرش له ضفايري ياعيني على شط الهوى


يا قمرنا ياهاجرنا الحب يا جارنا أمرنا
تخاصمنا ونصالحك ونكمل سوى مشوارنا
وإن بعدت بينا بلاد نخلق للحب معاد
ونقول لليالي ضمينا سوى
وأخبيك في عيني ياعيني من نسمة هوى

أستنى وأستنى لما تفوت على بستانا
وتصبح وتمسي تطلب مفتاح الجنه
وأهديك شال الافراح
مليان ورد وتفاح
والفرحة الكبيرة نقسمها سوى
وأتوه بين حبيبي ياعيني والليل والهوى


الحنة ياحنة ياحنة يا قطر الندى
يا شباك حبيبي ياعيني جلاب الهوى


السبت، 14 سبتمبر 2013

البعد الجمالي للانسان !





















البعد الجمالي للانسان!
***************

   منذ فترة نقلت الأخبار ان وكالة الفضاء الأميركية ((ناسا))،  ستنظّم رحلات لصالح الشركات الخاصة لاستكشاف إمكانية التنقيب عن المواد الأولية في القمر. الخبر بالطبع يثير شعورا بالفخر والزهو عند البشر، وهذا امر طبيعي ومفهوم.  فكرّت حينها بالشعراء والعشاق وكم اشفقت عليهم!، فكم من أبيات الشعر وصفت وشبّهت وجوه الحبيبات بالقمر! ولا اعتقد ان مسحا مهما كان دقيقاً سيستطيع ان يحصي عدد المرات التي وصُفت به وجوه الحبيبات بالقمر على لسان الشعراء وعموم العشاق على مر التاريخ. ومنذ العام (1969) داست الأقدام البشرية سطح القمر، وقال حينها رائد الفضاء نيل أرمسترونغ جملته الشهيرة: (هذه الخطوة لرجل ما, ما هي إلاّ قفزة عملاقة للبشرية.). والان يفكرون بنبش وحفر القمر بحثا عن إمكانية ما لتحقيق المنفعة والربح، وأتساءل : ما الذي سيحل بصور وجوه الحبيبات من تشوّه وبشاعة ؟! والالات والحفارات وهي تنبش وتحفر وتقلّب ما كان يوما الصورة المثالية لوجه الحبيبة ؟!

   والآن ها هي رحلة المسبار فويجر1 تغادر مجموعتنا الشمسية متوغلة في عوالم لا أحد يتوقع ما ستلاقي أو من ستلاقي؟. هناك شعراء وأدباء تخيّلوا أنفسهم ينظرون إلى الأرض من الفضاء الخارجي، ويراقبون تراجيديا البشر ولكن أن يحلّق الانسان بخياله شئ وأن يحلّق فعلياً شئ آخر. وبذلك يظلّ الخيال البشري سبّاقا ومقتحما للعوالم المرئية واللامرئية! وتظّل خطوات الخيال لها سحرها وجمالياتها التي لا تشوه أبعادها وتكوينها خطوات البشر الواقعية. فالسعي خيالاً غير السعي واقعاً, وهما ما يضفيان على الانسان تفرّده الخاص في الوجود. إن امتزاج الخيال والمنطق واختلاطهما في كلّ نشاطات الانسان, من أسرار عظمته غالباً, وفي أحيان أخرى من محفزات شروره ومآسيه أيضاً! . فكم من صروح شادها الخيال, وكم من جروح خلّفها الخيال أيضاً!. تبقى الوجهة والغاية هي التي تقرّر مآلات الفعل البشري, وما تؤول إليه من نتائج.

   فما الذي يؤطّر هذين القطبين(المنطق والخيال)للفعل البشري, ويمنحهما وحدتهما الهادفة إلى خير الانسان وسعادته, ويمنعهما من الإنزلاق إلى المآسي والشرور, والمعيار الأساسي يكون هو إنسانية كل قرار وكل فعل. وهذا ما لايمكن تحققه إلاّ باللجوء إلى البعد الأهم لدى الانسان, ألا وهو البعد الجمالي الذي يشذّب الفعل البشري من شوائبه القاسية وينقّيه مما يعلق به من فظاظة العناصر الخام التي يتشكّل منها تكوينه العضوي. إنّ الوعي الجمالي هو أعلى وأرقى شكل يبلغه الوعي الانساني, وهو المؤشر الأساسي لأيّة مرتبة حضارية ترتقيها المجتمعات عبر مراكمة تجاربها, واستبعاد كل الأخطاء والتشوّهات الملازمة لممارساتها. ولن نعدم الأمثلة الكثيرة التي تؤكد حقيقة أن المجتمعات التي ارتقت بوعيها الجمالي, هي المجتمعات الأبعد عن العنف والشرور, والأقرب إلى الوداعة والخير والسعادة. بالطبع هذا البعد لايتم بلوغه والاستمتاع بثماره ما لم تحسم المجتمعات مشكلاتها الاجتماعية, وفق نموذج للعدالة يضع الانسان كقيمة ومثال أعلى يسعى به وله في كل نشاطاته, ليصبح الانسان الغاية والوسيلة والذي يحقق ذاته بذاته ولذاته, بعيداً عن أيّة متاهة مثالية تجعل من خرافة ما فوق الانساني ذريعة, لتبديد جهوده والتهام سعادة لحظات حياته. إنّ الرؤية الجمالية قادرة على الأخذ بيد الانسان لانجاز ذاته وفق مقاييس تتجاوز قتامة وعماء المادة التي لم تصل بعد إلى حالة الادراك والوعي، وقادرة أيضاً على انتاج الوعي المنعكس بشكل فعل واعٍ، يؤثر في العالم ويصوغه وفق نماذج ليست موجودة في الطبيعة البكر, إلاّ بعد بزوغ الوعي البشري المحكوم بالبعد الجمالي. إنّ هذا بالضبط كالفرق بين الغابة والحديقة, والفرق بين أصوات الطبيعة الفجة والسمفونية، والفرق بين الطعام النيء والطعام المطبوخ, والفرق بين الكهف الموحش وناطحة السحاب المتلألأة بالأنوار.. وووو الخ. وكل انجاز حضاري يعكسه الوعي البشري ببعده الجمالي ومعاييره على عالم الأشياء الفظ والقاسي. فالانسان هو الكائن القادر على التأثيث الجمالي للحياة وللعالم!..
    


                                                  14/9/2013

الخميس، 29 أغسطس 2013

لوركـــا


   ولد فيديريكو غارثيا لوركا في الخامس من يونيو 1898 لوالدين إسبانيين في منطقة فيونيت فاغودس في غرناطة،
 كان والده مزارعاً ثرياً، وأمه معلمة، أخذت على عاتقها تعليمه النطق والكلام، لأنه وجد فيهما صعوبة في أول حياته،
 كما أنه لم يستطع المشي حتى الرابعة من عمره بسبب مرض خطير أصابه عقب الولادة، وكان سببا لعدم استطاعته
 مشاركة الصغار ألعابهم، فنمت قواه التخيلية وأحاسيسه، فراح يعبر عن نفسه بصنع عالم خاص به من المسرح 
ومسرح العرائس والاستعراضات، ويُسقط على دُماه شخصيات خدم الأسرة المسنين وإخوته الصغار.كما استطاع
أن يدندن الألحان الشائعة قبل أن يحسن النطق، وأخذ عن الخدم المسنين الحكايا والأغاني الشعبية.
 ويتحدث جيلر مودي تورا عن تمثُّل لوركا للأغاني الشعبية وإعادة خلقها قائلاً:
  «إنه يغنيها، يحلم بها ويعيد كشفها، وبكلمة واحدة يحيلها إلى شعر.»
    وصل فيديريكو إلى غرناطة في 14 يوليو 1936، أي قبل أيام قليلة من البداية الرسمية لانقلاب الجنرال فرانكو.
ذهب عند أهله في ضيعة سان فيثنتي، لكن النبأ سرعان ما انتشر بين الناس بواسطة الصحافة المحلية ليحيط الجميع
علما بأنه عاد إلى مسقط رأسه.
   بعد سقوط حامية إشبيلية، سقطت في 20 يوليو حامية غرناطة بدورها في يد الانقلابيين، ولم يلبث أن ألقي القبض
على صهر فيديريكو مانويل فيرنانديث مونتيسينوس زوج شقيقته الصغرى كونشا وعمدة غرناطة بالوكالة. أقيمت بعض
المتاريس العبثية في الأحياء العليا للمدينة، لكن ذلك كان دون طائل؛ إذ لم تلبث أن سقطت المدينة نهائيا يوم 23 يوليو.
   قام لوركا يوم 18 يوليو رغم الخوف الذي كان يشعر به بزيارة صهره في السجن. وبعد ورود بلاغ مجهول ضذه، تم في
16 أغسطس القبض عليه في منزل أحد أصدقائه، وهو الشاعر لويس روزاليس، الذي حصل على وعد من السلطات
الوطنية التي وعدت فيها بإطلاق صراح لوركا "إذا لم تكن هناك أي شكوى ضده ". تم إعطاء أمر تنفيذ الإعدام من قبل
الحاكم المدني لغرناطة، خوسيه فالديز غوزمان، الذي كان قد أمر سابقا النائب رامون رويز ألونسو اعتقال الشاعر.
   وأُعدم لوركا رمياً بالرصاص في 19 أغسطس 1936، بتهمة كونه جمهوري. في الأيام الأولى من الحرب الأهلية
الإسبانية، وقد جرى إعدامه كما يظن في الطريق بين فيثنار وألفاكار، على التلال القريبة من غرناطة. 

ولكن جسده كما تنبأ في أحدى قصائده، لم يعثر عليه:
وعرفت انني قتلت
وبحثوا عن جثتي في المقاهي والمدافن والكنائس
فتحوا البراميل والخزائن
سرقوا ثلاث جثث
ونزعوا اسنانهم الذهبية
ولكنهم لم يجدوني قط
( عن الويكيبيديا )

السبت، 24 أغسطس 2013

الجمالي والفاجع


الجماليّ والفاجع (حدث في العامرية)

ما لايمكن تصديقه!

   كيف للعمل الفني ان يقارب الفاجعة؟سؤال إشكاليّ كبير، فالعمل الجمالي يلاحق الموضوع الجميل وتفاصيله. ولكن الموضوع إن كان مأساةً بحجم الفاجعة المنقضّة على الوجود الإنساني، تعصف به وتمحو شرط وجوده، تسحق الحياة ذاتها، فكيف للفن أن يحيا وهو يسجّل لحظات موت مرعب؟يحيل المكان الى كومة انقـاض، ويكثّف الزمان في لحظة كارثة، حدّ احتجاب أيّة رؤيةٍ وإمتناع أي قولٍ، ولا يشيع في الفضاء سوى النحيب والاختناق وانقطاع النفَس. كيف للإبداع الفني أنْ يكون امام هذا الانكسار والانمحاء الكامل لكل مظاهر الحياة، كيف ينتقي الفنان مفردةً، ويلتقط لقطةً، ويختارنغماً، وكيف يحبس حزنه وشهْقة ألمهِ، ليحيله إبداعاً.أمام كل هذا الدمار الناعق وجنون الموت((الصناعي))الذي ابتكرته الحياة الحديثة. أنه((الإحراج))الأعظم الذي يواجه الفنان، ولكنه لنْ يسمح للصمت وللموت أن يمنعا أبداعه. فالفن ليس حياتاً للفنان فحسب، إنّما هو نُصْبٌ خالدٌ وعلامة أنسانية لابـدّ من نَصْبها حيثما حلّت الشعوب أو مرّت. انه ذكرى وذاكرة الكلّ البشري، وليس خيارا فردياً للفنان.وها هو الفنان والموسيقار العراقي(نصير شمّه) امام امتحان تجسيدٍ فنيٍّ لمحنة شعبه في ليلٍ ألْيَلِ من ليالي بغداد خلال حرب الخليج الثانية، إنّها ليلة ملجأ العامرية الفاجعة في 13-2-1991.
   يبدأ الفنان بتنويعات نغميةٍ عذبةٍ عذوبةَ الحياة وإيقاعها، رغم ما تحفل به من عذابات ومن مشقّات، ويسترسل ببثّ انغامه اللذيذة، فننصت باسترخاء لايخلو من توجّس وارتباك يطال إيقاع الحياة العادية، فثمة ضربات تعلو ووجيب غامض يُسَرِّع نبض القلب. وفجأة يتعكّر الصفو، بصوت الرعب صوت صافرة الإنذار، نذير شؤم وتوقّع كارثة مقبلة. يعقب الصفيرالنائح تسارع اللحن بقلق ما قبل انفتاح الجحيم، اقدام تتقافز واجسام تتدافع وانفاس تتقطّع ودقات القلب تدوّي، لقد القيت كرة النار من طائر الموت واخترقت ما كانوا يظنّونه ملاذهم وملجأهم، الصراخ والآهات والأنّات كل ذلك يمكن تخيّله منفلتاً من بين أصابع الفنان، وصوت نشيش النار وهي تشوي الأجساد، وقوة التفجّر وهي تطبع الخلايا على الجدران الكونكريتية، الجدران التي يُفترض انّها كانت حاجزاً ضد القصف، صارت عائقاً يحول دون الهرب من هذا الفرن الذي تُشوى فيه الأجساد.. تقطّعت الأوصال وتفحّمت الأشلاء وانطبعت بقايا الأجساد بفعل العصف على الجدران. لن يقوى الا إله ٌعلى تمثّـل الهول الذي كان.. قبل انطفاء الحياة في ملجأ العامرية في 13-2-1991. وبعد ذلك تحلّ لحظة الصمت، اللحظة التي تفصل الأموات عن الاحياء، وتبدأ أنغام أخرى لن تكون كما كانت، إيقاع خافت، بطيء، متقطّع، إيقاعُ مَنْ يستيقظ من كابوس مروّع. أنْ تعرف بما جرى فذلك أمر، ولكن أنْ تصدّقه وتتقبله كواقع أكيد ومبرّر فهـذا أمرٌ أشبه بالمستحيل. ولن يستطيع الأحياء الذين فقدوا احبّتهم ان يستعيدوا نبض حياتهم المعتاد، إلاّ وهم يرفعـون وجوههم الغارقة بالدموع صوب السماء. أنغام تراتيل جنائزية، مشبعة بآهات الكائن البشري المقهور وبين الوجع والسلوى يتعثّر الفهم، ويتعذّر النوم بلا كوابيس، ويمتنع أي عذر لتبرير القتل وتمضي الموسيقى الى نهايتها بلحن جنائزي، يرافق الأموات الى مثواهم الأخير وممارسة طقوس الدفن. وبعد الدفن وفصل الأحزان، تستعيد الحياة إيقاعها، ولكن ليس الإيقاع ذاته فالنفوس قد تشبّعت بأحزان جديدة.  ويسألون العراقي لِمَ كلُّ هذا الحزن والآهات في اغانيكم؟! هذا بلد تمرّغ بأحزانه منذ بدئه حتى... لقد اجاد الفنان نصير شمّه بتأليفه، وابدع بمهارة عزفه، وخلّد لحظة حزينة من تاريخ شعبه. ولكلّ الشعوب لحظات مماثلة، ولكن المفارقة الفاجعة هي أن الكوارث المماثلة للشعـوب، كان القتلة هم الذين يقومون بتسديد تكاليفها، أمّا العراقيون فقد قاموا بأنفسهم وبأموالهم بتشييد أفران موتهم ومواضع قتلهم! وهم يظنّونها ملاجئ تقيهم رعب الموت المحلّق. ما أمهرك أيها الفنان، أهي أوتار عودك التي تعزف؟ أم أوتار قلب مشدود بالألم، وروح مفجوعة؟ 
                             
                                                       13-2-2013