الأربعاء، 15 يناير 2014

عودة الابن الضال



لوحة قديمة من تخطيطي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عودة الابن الضال
****************
يوسف شاهين (19262008)
   وأنا أقلّب بعض الأوراق القديمة أتأمّل في بعض التخطيطات والبورتريهات (بالفحم) لبعض الشخصيات الفنية والأدبية، وقد كنت مغرماً بممارسة الرسم كهواية في وقت ما، ومنها هذا البورترييه للفنان السينمائي يوسف شاهين. هذا الفنان المتفرّد بأسلوبه في الإخراج السينمائي، والمفكر العميق الذي لايقف عند سطح الأحداث، بل يغوص في العمق الاجتماعي والتاريخي لموضوعه ليقدّم رؤية، والأقرب والأجدر أن نطلق عليها  (رؤيا)، لما فيها من تحليل عميق للأسباب واستشراف دقيق لآفاق المستقبل. لن أتحدّث عن أعمال الفنان وأسلوبه، ففي الويكيبيدبا والمواقع والمراجع الكثيرة عنه ما يُغني لمن أراد متابعة النتاج الفني لهذا الفنان المتميّز.
   إنّ أصدق وصف يمكن أن ينطبق على هذا الفنان، أنّه (فنان نقدي) لا يُسلّم بتاتاً ولا يركن أبداً إلى الخطاب الأيديولوجي السائد أو تفرعاته المتعددة والمضادة، بما تتّسم به، عادة، هذه الخطابات من سطحية وتبسيطية ساذجة، لا تجيب عن الأسئلة العميقة للعقول التي تبحث عن أجوبة حقيقية وشافية عن واقع اجتماعي- تاريخي معقّد. سأقتصر في حديثي عن فلم من أفلامه الإشكالية، (عودة الابن الضال)، هذا الفلم الذي بهرنا في نهاية سبعينيات القرن العشرين (أنتج الفلم عام1976 ) الذي هرعنا كشبّان لمشاهدته في دور السينما (شاهدته شخصياً مع بعض الأصدقاء لثلاث مرّات)، مأخوذين بالبناء الفني والفكري المركب للعمل، وما يحفل به من اغنيات معبّرة ومؤثّرة للفنانة الرائعة ماجدة الرومي، من كلمات صلاح جاهين (الذي شارك الفنان يوسف شاهين بكتابة الفلم). ولمن لا يعرف ما يعنيه عقد السبعينيات لدول المنطقة تاريخياً، لن يستطيع الإلمام بأهمية الفلم ومغزاه، فقد وضعت تلك السنوات منطقتنا ومجتمعاتنا ودولنا أمام خيارين لا ثالث لهما إمّا الإفلات من هيمنة قوى رأسمال المال العالمية، والتحرّر الفعلي واستكمال شروط التنمية والتحديث للدول الوطنية التي نشأت بعد (سايكس-بيكو)، وبناء مجتمعات حديثة تضمن للإستقلال السياسي بقاءه وتعطيه مضمونه الإنساني الراسخ ببناء بنية اجتماعية حديثة وإنسان عصري، أو البقاء في فلك التبعية للقوى الأقتصادية العالمية، والإستسلام للبنى والقيم المحلية المتخلّفة والقديمة، التي تجاوزها العصر الحديث بفكره وقيمه وعلومه. وكلّ خطاب كان يجري عن (طريق ثالث) مزعوم، ما كان إلاّ تملّصاً وهروباً من إنجاز الشروط الأجتماعية والفكرية (للحداثة)، وهذا ما كان..! وما نعيشه اليوم من تردٍّ ونكوص، إن هو إلاّ نتائج حتمية لتلك السياسات الكارثية التي كانت تهيمن على المشهد العام في تلك السنوات الحاسمة.
   أعود لـ(عودة الابن الضال) ويوسف شاهين الفنان صاحب (الرؤيا) والبصيرة .. لم نكن بعد مشاهدتنا الفلم بقادرين، حينذاك، على تمثّل واستكناه مغزى تلك النهاية الدامية للفلم، مجزرة اقتتال العائلة البرجوازية الكبيرة حتى يصرع أحدهم الآخر في مشهد من مشاهد العنف والوحشية، ولم ينجُ من تلك المجزرة إلاّ الجيل الشاب الذي يغادر نحو المستقبل (الفجر) بصحبة عائلة من الطبقة العاملة. نعم وصلتنا الرؤية النقدية للفلم لما يمكن أن ينتج عن غياب الحريات واستبداد أقلية جاهلة بمصائر الأغلبية من طبقات وفئات المجتمع، وهيمنتها على السلطة والقرار بيد من حديد، لكن تلك النهاية العنيفة والقاسية لم تكن مقنعة لنا كمصير حتمي، في ذلك الوقت المبكر، (والذي يدعوه البعض اليوم، قياساً على زمننا الدموي الراهن، "بالزمن الجميل"!)، وربّما عددناها شكلاً من أشكال الفانتازيا ومبالغاتها المعهودة!.. وما ذلك إلاّ لسبب بسيط وهو أنه لم يكن أمامنا، ولم يكن يخطر ببالنا في تلك الفترة، أن تمضي الصراعات الاجتماعية إلى هذا القدر من الوحشية والدموية التي نشهدها اليوم.. ولكن الفنان يرى بخياله الواسع ما لايراه الباحث بمنطقه الصارم!
   اليوم فقط أدرك كم كانت رؤيا يوسف شاهين متواضعة! رغم عنفها وقساوتها، اليوم حين أرى ما تضطرم به مجتمعاتنا من صراعات وحشية وشلّالات الدم التي تتدفق في المنطقة، ودولها تشارف على الإنقراض كوحدات سياسية رصينة، وتفشّي الأفكار المتطرّفة وتمكّنها من عقول أفراد مجتمعاتنا كباراً وصغاراً، والنكوص المرعب إلى أفكار وقيم ما قبل الحداثة، والتي تفضي إلى هاوية وحضيض كالتي عبّر عنها الفيلسوف الأنجليزي (هوبز).. حرب الجميع ضد الجميع.. أقول هل رأى الفنان ابعد مما يمكن وأكثر مما يُتصوّر! وهل كانت لقطتا (المهرّج) في بداية ونهاية فلم (عودة الابن الضال).. سخرية سوداء؟ مما رآه الفنان واحتجب عنا لما ينتظر مجتمعاتنا من كوارث، أشارة ساخرة ومريرة وضعها الفنان للتعبير عن (بؤس الوعي) الذي قادنا ويقودنا إلى بحور الدم الحالية، لا يستطيع أيّ خيالٍ مهما كان سوداوياً أن يتخيّله..؟!
   فلم (عودة الابن الضال) ربّما كان الوقت الحالي، هو الوقت الأنسب  لمشاهدته والتمعّن في مفرداته وتفاصيله ومآلاته الكارثية، لما نشهده كل ساعة وكل يوم من اضطراب وعنف ووحشية ودم، في الكثير من دول ومدن منطقتنا الملتهبة والمنذرة بالمزيد من المآسي والكوارث! وللتأمل في رؤى فنان من ذاك الزمان، لما سيؤول إليه واقعنا الاجتماعي من عدمية ودمار، بغضّ النظر عن التفاصيل، دولنا ومجتمعاتنا التي كانت تُقاد من قبل أحزاب ونخب سياسية وفكرية قاصرة وعاجزة عن أداء مهامها الأساسية في التقدّم والتحديث الجذري، في فترة حاسمة وفاصلة من تاريخنا.. في ظلّ عالم مضطرب وحافل بصراعات حادة وعنيفة لا يتورع عن تحويل دول بكاملها إلى هشيم، ومجتمعات بأكملها إلى جماعات مهاجرة! أو جماعات متقاتلة حدّ الفتك والإفناء التام لبعضها البعض..