الخميس، 26 فبراير 2015

نبيل محمود و المغردون خارج السرب





بشرى رسوان - نبيل محمود و المغردون خارج السرب

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=448340


حوار شامل أجرته مشكورة الاديبة بشرى رسوان.. ونشر في الحوارا لمتمدن، تناول قضايا عامة وأدبية وبعض جوانب السيرة الشخصية...



الأحد، 22 فبراير 2015

الاتّكاء على غروب الشمس




أغنية (أيام المزبّن) كلمات مظفر النواب، تلحين وغناء فؤاد سالم

   كيف لكلامٍ عن عملٍ من أعمال مظفر النواب أن يمرّ دون استحضار صيحة القهر..؟ تلك الصيحة التي تجسّدت أبلغ تجسيد في صيحة الريل (القطار) بما يمثّله من رمز لقوة الغياب القاهرة ولكن أيضاً بما يوحي به من اغتراب وحنين. وللقلب البشري أسلحة مقاومة لا تقلّ قوةً ومضاءً ضد كل أسباب القهر واشكاله. الكلمة المشحونة بكل طاقات التعبير عن القهر الوجودي الشامل، اجتماعياً وسياسياً وعاطفياً، ولكنها أيضاً الكلمة الصيحة والاحتجاج والثورة ضد كل عوامل الاستلاب. فالكلمة عند مظفر النواب ليست لفظة منفردة ومجرّدة، بل هي جملة محمّلة بتاريخ هائل من آلام وآمال الإنسان ونمط حياته. الكلمة هي سجلٌّ من الانطباعات والأحاسيس والمشاعر والعواطف والأفكار لا يمكن استنفاد طاقتها التعبيرية دفعة واحدة والاكتفاء بدلالتها اللغوية. لذلك لا يكتفي أو يرتوي منها القارئ أو السامع بمجرد تداولها مرة واحدة، فلابد له أن يستزيد ويستزيد منها وفي كل مرة يرتشف معنيً وجمالاً جديداً. فهي نبع لا ينضب، وومض لا يخبو، وخفق لا يتوقف، إنّها (روح شعب) بالمعنى الهيجلي. من هنا كانت عملية الاستزادة منها (خاصة حين تكون مغنّاة) كالاطلالة على العالم الداخلي لمن يتداولها. كلمة النواب ليست كلمة خارجية! بل كلمة داخلية تتوغل عميقاً لتبلغ تلك البئر القابعة في أعماق النفس والأشياء.
   عندما تشتهر أغنية جميلة ما مثل (الريل وحمد)، فإن ذلك قد يكون على حساب أغانٍ لا تقل روعةً وجمالاً عنها. إن أغنية مثل (أيام المزبّن) ونصها هو عبارة عن عدد من أبيات قصيدة بنفس العنوان للشاعر مظفر النواب، أضاف لها الفنان المبدع فؤاد سالم بصوته الشجي ولحنه الراقص جمالاً موسيقياً جعلها معيناً من سحرٍ يتموّج بلا ضفاف كمياه الأهوار، وفتنة متدفقة بلا انتهاء من منابع العشق وغدرانه.
   تبدأ الأغنية بايقاعٍ سريع للحنٍ راقصٍ كمحاكاة نغمية لأجواء القصيدة ومطلعها (دِگــْـ راسَك ابــْگاع العِرِسْ/ واصْعَد اِمْراجفْ للدفْ). فباعجاز شعري تكثيفي يصور النواب حفلة عرسٍ ريفية وما يرافقها ويتخللها من فعاليات ومشاعر وفرح. فقد كانت من مظاهر العرس الريفي الأساسية هي الراقصة الغجرية، وهي مركز أنظار الحضور. ترقص فتنحني برأسها إلى الوراء بشدة حتى يكاد شعرها الطويل المنفلت أن يلامس الأرض. ثم تعود لتستقيم بجذعها صعوداً بحركة بطيئة مع هزّ صدرها بسرعة فائقة على ايقاع الطبلة واهتزاز الدف. إنّ نقل كل هذه التفاصيل البصرية والسمعية بهذا الاقتصاد في الكلمات هي سر الاعجاز الشعري وكثافة وجماليات النص النوابي عموماً. لابد هنا من التنويه بالفرق الدلالي والجمالي بين (متراجف) و (اِمْراجَف) العامية فدلالتها هنا حركة اهنزاز سريعة ومستمرة (حركة اهتزاز صدر الراقصة) مما يجعل الكلمة عند النواب مشحونة بمعاني نفسية ودلالات يصعب الالمام بها حين تُوضّح بالعربية الفصحى. وهذا الاختلاف يوضح اشكالية عدم ذيوع نصوص النواب -عربياً- لـ (قصائده العامية) باللهجة العراقية الجنوبية وتحديداً منطقة الأهوار، بنفس القدر الذي اشتهرت فيه نصوصه الفصحى. فهذه اللهجة قد تشْكل على العراقي نفسه من منطقة أخرى في بعض مفرداتها، فكيف بالمتلقي العربي! هذه النصوص محمّلة بالطاقات والشحنات النفسية والمعاني لما يعنيه الإنسان حين يقول (شعر)، وبالتأكيد سيفلت الكثير من سحر هذا الشعر للمتلقي الذي ليس على دراية كبيرة باللهجة التي كُتبت بها.
   أما (المزبّن) و(اللف) فهما نوعان قديمان من أنواع السجائر الرخيصة (أيام المزبَّن گِضَنْ/تِگْضَنْ يا أيام اللف) قد وظّفهما الشاعر كرمز سياسي لحتمية انقضاء عهدٍ جائر مثلما انقضى العهد الذي قبله على قاعدة دوام الحال من المحال. وتشبيهه الذي لا يخلو من أسىً لحياة الإنسان بتأكيد حقيقة التغيّر (وتْدور بينا ونلتف) حيث تدور بنا الدنيا وتلفّنا كسيجارة اللف! وأي مصير ينتظر السيجارة غير الاشتعال؟!
   عندما تغرب شمس الطبيعة تشرق شمس أخرى ، هي شمس العشق، فيلوذ الإنسان بفيءٍ مهما بدا بسيطاً (فيّة گِصَبْ) - ولعنصري القصب والماء معنى الحياة ذاتها في عالم الأهوار- إلاّ إنّهما يستشعران بين أحضان الحب وشمس العشق بأجمل دفءٍ في الوجود. إن هذه البراعة في تشكيل الصورة الشعرية وبهذه الكثافة وبهذا الزخم تصنع الدهشة التي تمنح شعر النواب تلك الجاذبية والفتنة الساحرة التي تأسر القارئ، أو بالأحرى السامع فصوره الشعرية هي صور مسموعة بجرس معانيها إضافة لجرس لفظها وصورها المرئية... هنا نجد أجمل ما يمكن تخيّله من صورة شعرية... حبيبان يبتعدان وهما يتّكآن على غروب الشمس، ففعل (انْوچّي) هي اتّكاء المتعبين القاصدين الفيء-السكن والتلهّف للوصول (خَلْ نُوصَل) وايقاد شمس العشق الحميمة بعد غروب الشمس الطبيعية. بهذه القدرة التعبيرية والتصويرية والتركيبية تكتسب الصورة الشعرية عند النواب غناها وثراءها وتعدّد ألوانها وظلالها وايحاءاتها الحسية التي لا يمكن إلاّ أن تأسر متلقيها وتسكنه. (ابْعِدْ يَبَعْد امْحَبِّتي/ انْوَچّي عله غروب الشمسْ/ خَلْ نوصل الفيّة گِصَبْ/ واذْبحلك أمّيّة النَفِسْ).
   إنّ تعدّد الأصوات يعطي لتشكيل القصيدة بعداً درامياً، ويحقّق هدفاً آخر بمنتهى الأهمية لدى النواب، هدفاً ذا بعد فكري نابع من التزامه السياسي والإنساني. فتارة يكون المتكلّم رجلاً ومرة تكون امرأة ويمنحهما نفس الحقوق والحرية في التعبير عن مشاعرهما دون التمييز السائد في مجتمع ذي ثقافة ذكورية يحتكر فيه الرجل سلطة الكلام.. فالمرأة تقول (عطشانه, وانته أُميّتكْ).. والرجل يقول (هَم آنه أضوگـــ أمّـيِّــتچْ).. وكما هو معروف فأن الضمير (ك) للمخاطب المذكر، والضمير (چ) للمخاطب المؤنث في اللهجة العراقية. إن حضور مفردات مثل (حِنّه، عِرِسْ، بوسه، شوگـــْ، أُميّتكْ، أمّـيِّــتچْ - ماءكَ، ماءكِ - أضوگــْ، عِشِگـــْ،... إلخ) ذات دلالات جنسية مباشرة أو ايحاءات غير مباشرة قد تُغري قارئ قصيدة النواب لادراجها تحت باب الأدب الإيروسي. وإن كان الإيروسي حاضراً بشكلٍ لافت، لكن هذا سيكون اختزالاً يخلّ بالموضوعية كثيراً، على حساب شساعة عالم النواب الشعري الذي يحتضن الوجود الإنساني الاجتماعي برمته، بكل سعته وتعدّد مظاهره وشجونه وشؤونه بطرائق عيشه وعشقه وتمردّه.
   قدرة النواب المدهشة، والتي تكاد تبدو وكأنّها عفوية ودون تكلّف لما يمتلكه من مهارة حبْكٍ ونسْج الخاص والعام في نسيج واحد فائق النعومة والسطوع الجمالي حتى ليخال المرء أنه لن يستطيع الفصل بينهما. وهذا واضح وجلي مثلاً في الأبيات (يِگْضَنْ وَارِدْ يا دِيرتي/ لحسْنِچْ واموتَنْ علَ التِبِنْ/ شوگي إلچْ ، شوگــ الگِطه التايه وموعات الدهن/ هَم آنه أضوگــ أمّـيّـِتچ/ واركض بزخّات المِزَنْ).. فالعاشق (ولا يمكن الفصل بين عشق الديار وعشق الحبيب فهما عشقٌ واحد) على يقين من عودته للديار بعد انقضاء ظروف القهر. الديار التي يصفها بالحسن و(اموتن) بمعنى التعبير الدارج (اموت عليك- عليچ) أي اللهفة الشديدة والشوق إليها حتى الموت (تانيني يا ديرة هَلِي/ وخَلّ الرصاص اعْله الچف). ثم ينتقل بعبارة رشيقة تحتمل وصف الحالين حالة المشتاق لدياره، تمهيداً لوصف الحالة الثانية الاشتياق المبرّح للحبيبة.. مشبهاً حالة الشوق بحالة طير (الگِطَه) الذي لا يطيق ابتعاداً عن بيئته.. وبالتعبير المدهش (موعات الدهن) لوصف شدة الشوق، إذْ تغدو روحه كالسمن المعرّض لحرارة الفراق لا يستطيع تماسكاً للحفاظ على قوامه الصلب.. وبعدها ينتقل مباشرة إلى حالة شديدة الخصوصية وبحسية وبدلالة جنسية صريحة ودون تلميح.. وهي بصيغة سؤال من يتمنى أمراً بقوة (هَم آنه أضوگـــ أميَتچ- أأذوق ماءك- وصلك؟) إلى الحد الذي سينقله إل حالة من الارتواء التام والمبلّل بماء النشوة مشبّهاً حاله بحال من يركض تحت زخّات المطر!..
   طويلة هي القصيدة (فالأغنية اقتصرت على بعض مقاطعها) بموضوعها وبمشاهدها وبصورها وتستلزم صفحات للاستغراق في تفاصيلها وهي تنتهي بلسان المرأة مخاطبة حبيبها (موش انته صوچك يا شهم/ دهرك وگـــع ناموسه) = ليس ذنبك أيها الشهم، لكن زمانك سقط شرفه!. فسمة قصيدة النواب وكأنّها قصائد داخل قصيدة، فحسبنا إننا تناولنا ما أُختير منها للأغنية.  
   إنها قصيدة-أغنية عن الإنسان وهو يسعى لتحقيق وجوده الحقيقي وحريته جسداً وروحاً وينتزع حقه في حياةٍ تليق بانسانيته وتلبي شروطها، حتى وإن تطلّب الأمر منه مقاومة رصاص القهر والنفي بكفّه العزلاء. فنصه ليس جميلاً وعميقاً فحسب بل إنّه بمنتهى العذوبة واللذة والنشوة. وأي حديث عن قصيدة للنواب هو حديث طويل ومتشعّب ومتنوع عن الإنسان والحياة، فالنواب يقدّم لنا درساً بليغاً في كيفية كتابة قصيدة عظيمة!

الأربعاء، 14 يناير 2015

إلى الأجيال المقبلة - برتولد بريشت



   هناك قصائد مؤسِّسة! ومطبوعة بملامح عصرها بقوة بحيث يستحيل التفكير بذلك العصر دون تذكّر تلك القصائد. وهي متى ما قرأناها لا تفقد راهنيتها لأنها رسمت بواقعيتها الشديدة وببساطتها أهم سمات وجوهر العصر الذي تتحدث عنه. من القصائد التي كوّنت وشكّلت الوعي الشعري بالنسبة لي منذ وقع نظري عليها أول مرة وحتى الآن قصيدة بريشت (إلى الأجيال المقبلة) بصورها ورؤاها الشاملة المتجاوزة لزمنها. وما تجاوزها لوقت كتابتها إلاّ لأنها قد التقطت الأساسي والجوهري للحياة عبر صور ومشاهد ومواقف حدثت وما زالت تحدث. وهي تبدو اليوم أصدق تعبيراً عن العالم من الوقت الذي كُتبت فيه. قصائد كهذه ستحيا زمناً طويلاً وأثرها في النفس سيبقى شديداً، لسبب بسيط جداً، وهو أن العالم يتغيّر ولكن ببطءٍ كبير بحيث يمنح هذه القصائد عمراً مديداً!!! 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى الأجيال المقبلة
برتولد بريشت (1898 – 1956)
ترجمة عبد الغفار مكاوي

 1
حقا انني أعيش في زمن أسود!
الكلمة الطيبة لا تجد من يسمعها
الجبهة الصافية تفضح الخيانة
والذي لا يزال يضحك
لم يسمع بالنبأ الرهيب.

أي زمن هذا؟
الحديث عن الأشجار يوشك أن يكون جريمة
لأنه يعني الصمت على جرائم أشد هولا
 ذلك الذي يعبر الطريق مرتاح البال
ألا يستطيع أصحابه
الذي يعانون الضيق
أن يتحدثوا اليه؟

صحيح أنني ما زلت أكسب راتبي
ولكن صدقوني، ليس هذا إلا محض مصادفة
إذ لا شئ مما أعمله
يبرر أن آكل حتى أشبع.
صدفة أنني ما زلت حياً
(إن ساء حظي فسوف أضيع!)
يقولون لي: كلْ واشرب!
افرح بما لديك!
ولكن كيف يمكنني أن آكل وأشرب
على حين أنتزع لقمتي
من أفواه الجائعين
والكأس التي أشربها
ممن  يعانون الظمأ؟
ومع ذلك فما زلت آكل وأشرب!
نفسي تشتاق أن أكون حكيما.
الكتب القديمة تصف لنا من هو الحكيم.
هو الذي يعيش بعيدا
عن منازعات هذه الدنيا
يقضي عمره القصير
بلا خوف أو قلق.
العنف يتجنبه
والشر يقابله بالخير.
الحكمة في أن ينسى المرء رغائبه
بدل أن يعمل على تحقيقها.
غير انني لا أقدر على شئ من هذا
حقا. انني أعيش في زمن أسود.

2
أتيت هذه المدن في زمن الفوضى
وكان الجوع في كل مكان
أتيت بين الناس في زمن الثورة
فثرت معهم
وهكذا انقضى عمري
الذي قدر لي على هذه الأرض.
طعامي أكلته بين المعارك
نمت بين القتلة والسفاحين
أحببت في غير اهتمام
تأملت الطبيعة ضيق الصدر
وهكذا انقضى عمري
الذي قدر لي على هذه  الأرض.
الطرقات على أيامي كانت تؤدي للمستنقعات
كلماتي كادت تسلمني للمشنقة.
كنت عاجز الحيلة.
غير أني كنت أقضّ مضاجع الحكام
(أو هذا على الأقل ما كنت أطمع فيه)
وهكذا انقضى عمري
الذي قدر لي على هذه الأرض.

القدرة كانت محدودة
الهدف بدا بعيدا
كان واضحا على كل حال
غير أني ما استطعت أن أدركه.
وهكذا انقضى عمري
الذي قدر على هذه الأرض.

أنتم يا من ستظهرون
بعد الطوفان الذي غرقنا فيه
فكروا
عندما تتحدثون عن ضعفنا
في الزمن الأسود
الذي نجوتم منه.
كنا نخوض حرب الطبقات
ونهيم بين البلاد
نغير بلدا ببلد
أكثر مما نغير حذاء بحذاء.
يكاد اليأس يقتلنا
حين نرى الظلم أمامنا
ولا نرى أحدا يثور عليه.

نحن نعلم،
أن كرهنا للانحطاط
يشوه ملامح الوجه
وأن سخطنا على الظلم
يبح الصوت
آه : نحن الذين أردنا أن نمهد الأرض للمحبة
لم نستطع أن نحب بعضنا بعضا
أما أنتم
فعندما يأتي اليوم
الذي يصبح فيه الانسان صديقا للانسان
فاذكرونا
وسامحونا.
 
(عبد الغفار مكاوي، ثورة الشعر الحديث)

الاثنين، 13 أكتوبر 2014

الليلة الكبيرة.. ومدينة منتصف القرن 20




   
قد يكون هذا الأوبريت (الليلة الكبيرة) كلمات صلاح جاهين والحان سيد مكاوي، من أمتع وأجمل وأشمل المقاربات الفنية، للحياة الشعبية للمدينة العربية في مستهل ومنتصف القرن 20.. إنها تسجل تلك اللحظة الفارقة بين عهدين.. عهد البساطة والعفوية للناس بمهنهم وحرفهم البسيطة ومتعهم الصغيرة واحتفالاتهم الشعبية ببساطتها وعفويتها. وبين عهد آخر التهمت فيه الحياة الصناعية الرأسمالية الكبيرة كل المدن وقضت على طابع خصوصيتها ومحليتها. وألقت بها في خضمّ العولمة الاقتصادية فنقضت كل أوجه نشاطاتها ما قبل الرأسمالية، وأودت بالطابع المحلي الحرفي  للنشاط الاقتصادي الاجتماعي للمدينة. وراحت المدينة تعيش عهداًً جديداً من الصراعات والتناقضات، وهيمن العالمي على المحلي في كلّ أوجه نشاطاتها وحياتها الأقتصادية والاجتماعية والثقافية والترفيهية.    

السبت، 13 سبتمبر 2014

أهل الفطن..


البصرة تمدّ بصرها صوب شموس البحر وتودّع النوارس.. وتمسح عن خدودها وجروحها حرقة الملح.
الموصل تتمعّن في المنحوتات الصخرية وتضرب رأسها بالجبال الشاهقة.
أمّا بغداد فجرح متجدّد عبر التاريخ، لم تقلع عن عادتها باستبدال طغاتها بالغزاة، وبقيت على دأبها بصبغ مياه دجلتها بحمرة ويلاتها القانية. تناولت بغداد كلّ الأقراص المسكّنة ولمْ تُشفَ من هلوستها المزمنة بعد..

درجة الحرارة العظمى 48 مئوية.
درجة الحرارة الصغرى 28 مئوية.
فأيّ اعتدالٍ ترتجي يا عقل؟.. وكيف تأتلف الأمزجة باختلاف الأقوام والأجناس، وتضارب المذاهب والأفكار.. يا لها من ((فطنة)) قاتلة أيّها الجاحظ؟! 
ما أعجب هذا السهل المرتعد بين ثلوج الجبال وشموس الصحارى.

الريح..
فرشاة لامرئيّة في يد رسّام مجنون.
ويقولون ليلى في العراق مريضة..
وماذا عن سعاد ومريم وشيرين.....؟
وماذا عن عشّاقهن الذين غيّبتهم الحروب؟ وشتّتهم الهرج والمرج؟
من بعيد يلوّح المهاجرون الناجون من المعمعة.. فلا الدموع تُكفكفُ، ولا الجروح تندملُ.. ويستمرّ نزيف التاريخ على امتداد الجغرافيا..

المريض المحتضر لا يعوده أحد..
عند الوفاة يحضر الجميع لتمزيق الوصية، والاقتتال، لانتزاع النصيب الأعظم من الإرث!..
نبيل محمود, ‏28 أغسطس 2014


الخميس، 24 يوليو 2014

محمود البريكان.. ناسك الشعر






   بقدر ما كان منكبّاً على الاشتغال المضني والاعتناء البالغ ببناءقصيدته، كان عازفاً وزاهداً، بشكل مؤسف، عن النشر وتقديم قصائده بشكل مجموعات شعرية، يسهل تداولها وانتشارها ودراستها، بصورة تليق بشاعر كبير، لما في أعماله من قيم جمالية وفكرية عالية. يقول عن مفهومه للشعر:

((الشعر هو ابن النزوع الإنساني، وموضوعه الأساس تجربة الوجود بكل شمولها. وهو تمثّل خاص لواقع التغيير في الزمن، وقلق المصير، والتأرجح بين الراهن والمنشود. إن الموضوع الكامن وراء موضوعات الشعر هو التوتر بين الحياة والموت. بين التحقق والضياع، وتلك العلاقة المتحولة بين الروح والعالم.)) 

   إن قراءة سريعة لقصيدته "البدوي الذي لم ير وجهه أحد"، مثلاً، وهي قصيدة (عظيمة!) تستحق قراءة مطولة ومتأنية، فهي قصة التيه! الذي يمزّقنا.. فلا البدوي الذي فينا قد مات! ولا استطعنا الخلاص من غيابه الحاضر فينا أبداً.. والبريكان في قصيدته هذه يوظّف، عبر صوره الشعرية البليغة، الدلالات العميقة التي يضمّنها في شعره، بحيث يكثّف بشكل مذهل جوهر الوجود في مقاربته لموضوع القصيدة. من خلال تناوله لجدلية الأبدي والعابر، الذي قصده في حديثه أعلاه (واقع التغيير في الزمن)..  فلو قرأنا هذه القصيدة اليوم لافترضنا أنها قد كُتبتْ للتوّ، ومن وحي أحداث عصرنا العربي الراهن! (وهذه القصيدة المنشورة في موقع أدب.. الموسوعة العالمية للشعر العربي، غير دقيقة، حيث حُذفت منها بعض الجمل الشعرية التي أخلّت كثيراً بموضوع القصيدة!). فقد عُرف البريكان بدقته وعنايته، في انتقاء مفرداته وصوره، في بناء نصه. بحيث أن  أي حذف بسيط، يخلّف اختلالاً كبيراً في قصيدته ويفقدها الكثير من معانيها ومضامينها وجمالياتها. لقد اعتمدت في اختيار هذه القصائد على كتاب..

 (محمود البريكان،متاهة الفراشة - قصائد مختارة، إختيار وتقديم باسم المرعبي، منشورات الجمل، كولونيا- ألمانيا 2003)


البدوي الذي لم ير وجهه أحد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
لعلك يوماً سمعت عن البدوي العجيب
الذي كتب الله أن لا يموت
 وأن لا يرى وجهه أحد
(وجهه الأول المستدير البريء
الذي غضّنته المهالك وافترسته الحروب
وخطت عليه المآسي علاماتها).

نمت طبقات الزمان
على جلده.. فهو لا يتذكر صورته
صورة البدء
مستغرباً في مرايا المياه ملامحه الغامضة

أنا هو ذاك
أنا البدوي الغريب يجوب البوادي
ويطوي العصور ويعبر جيلاً فجيلا
 إلى آخر الأزمنة
أنا البدوي الذي لفظته الصحارى
الذي رفضته القصور
الذي أنكرته الشموس
الذي انطفأت جذوات النجوم
على محجريه

أنا البدوي المحمّل بالأوبئة
بذكرى الجنان التي اندثرت
 والبراري التي دفنتها الرياح
بصوت الينابيع في الأودية
ولون البروق على صخرة اللانهاية
أنا البدوي الذي نسخته التجارب
واستعبدت روحه المعرفة
وشلّت يديه الأعنّة
واختبرت صهوات الجياد إرادته
في الرحيل الطويل.
حفظتُ أغاني الزوابع عبر الأفق
وكنت امرأ القيس في التيه،
والمتنبي على الطرق النائية
وفي عزلة الروح كنت المعري رهين السجون الثلاثة،
وكنت دليل القوافل عبر المفاوز
وكنت الذي يوقد النار للطارقين
وكنت أنا الضيف والفارس المتوحد يأتي المضارب
محتجباً بلثام الغموض
وكنت أنا الزائر الهادئ المنزوي في المجالس
سمعت كلام النبي
وآمنت.. لكن رأيت الدماء التي انفجرت
وحروب السلالات
والقوة العارية تمارس لعبتها وتُغيّر ألوان راياتها
أنا الشاهد الأبدي
على الموت تسقط ذاكرتي في الظلام.
أقمت على صخرة الروح مملكتي
وفتحت حدود المقادير يوماً
فمن أين دبّ البوارُ إليّ؟
وفي أي مرحلة في الطريق
بدأت ضلالي؟
تلاشيت بين المقاصير
اعتصرتني المخادع
واستعبدتْ روحي الطيّبات
إلى أن تفتّت لحمي،
نسيت صهيل جوادي
ولم يكن السيف رهن يدي عندما اقتحم الآخرون
مداخل حصني الأخير
دخلت عصوراً من الخوف
بايعت في حضرة السيف والنطع
خضت حروب سواي
وما عدت أذكر مغزى حروبي
رأيت كلاب الملوك
تطاردني في المنام
رأيت الرجال
وهم يخدمون كلاب السلاطين.. أو يُضحِكون
الطواشيةَ المتخمين
وقوفاً وراء الموائد.
وكالببغاء التي هرمت
كنت أملك هذا اللسان ولا أتذكر شيئاً
.....
.....
تخاطبني الريح
أفتح عيني،
هل كان ذلك حلماً بعمق الزمان؟
وهل أحلم الآن؟
ها أنا في عالم يتفجّر حولي بايقاعه المتوحش
طاحونة بقوى الظلمات تدور بأسرع مما أفكر
عقول وراء المكاتب تبدع هندسة الموت
للمدن اللاهية.
صواريخ منصوبة باتجاه النجوم
جيوش تخوض حروباً خفية
أيقهر هذا الدوار؟ سأجمع أجزاء روحي
وأبحث ثانية عن مكاني واسمي ومسقط رأسي
وما ترك الدهر لي من سلالة أهلي
عسى أن يتم التعرف يوماً

أحس وراء صلابة جلدي
وراء قناعي القديم
وراء برود عظامي
أحس اختلاجة روح خفي
بصيص براءة
وبقيا من القوة الغاربة
ونازعة تُشبه البعث.

هذا الرميم
متى يتحرك؟
هذه العروق
متى تتدفق بالدم؟
هذي اليد الذابلة
متى تتحرر من موتها
متى يا إلهي؟
متى؟
(البصرة 1987)

احتفاء بالأشياء الزائلة
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أربع أيدٍ
تمتد إلى دفء النار معاً
وعيونٌ أربع
تتأمل طفلاً في مهده
مائدة
من زاد الفقراء
وحديث هادئ
الليل، وفيلم السهرة
أنسام الفجر ترف رفيف جناح فراشة
العشب اللين بعد الغيث
يبدو منتعشاً ونظيفاً
الموسيقى تتموج في الغرفة
عنوان كتاب ممتع
كأس الماء لظمآن
نعاس المتعب
لعب الأطفال وضجتهم
الذكرى تمرق في لحظة
خطة يوم قادم
نور الشمس
مجرد نور الشمس

أجمل ما في العالم
مشهده العابر
ومباهجه الصغرى.
طوبى لك
إن كنت بسيط القلب
فستفهم مجد الأرض
سحر الأشياء المألوفة
إيقاع الدأب اليومي
وجمال أواصر لا تبقى
وسعادة ما هو زائل!
(البصرة، آذار 1993)



الصوت
 ــــــــــــــــــ
صوت، لا يشبهه صوت
يأتي من أقصى البرية
صوت كنداء إله هالك
يطلق لعنته
كتحشرج وحش مقتول
كتناوح ريح
ليست من هذا العالم.
صوت يطعن قلب الليل.
في البدء ما كان أحد
يسمعه.
ثم اعتادوا
أن يمرق في ألق مدينتهم
لا يلتفت إليه أحد
لا يتساءل عنه أحد
فلماذا وحدك
يا هذا الشاعر
تسهر ليلياً
تنتظر الصوت الغامض؟
ولماذا
لا يمكن دفع الفكرة
أن هناك شدائد قادم
وكوارث ستقع؟
(شباط 1993)



الملوك
ـــــــــــــــــــــــــ
وجوههم مؤطّرة في لوحات المتاحف
وأسماؤهم مسطّرة في كتب التاريخ
وسيَرُهُم تتحول إلى قصص مسلية
تركوا للخدم ثياب نومهم وأحذيتهم المنزلية
وطرحوا تيجانهم للمتنافسين على الملك
وخلفوا ثرواتهم لورثة عاطلين
أمّا لحوم أجسادهم
فهي حصة دود الأرض.
(1997)




بكاء الأجنّة
ــــــــــــــــــــــــــــ
في ظلامها الدامس
في غلافها الرجراج
في جحيمها السائل
تبكي دائماً
تشعر بالهدير في الخارج
بارتعادة العالم
باضطرابه

تغفو تفزّ دائماّ
على دوي الصرخات الغامض البعيد
تلتف حول رعبها
تبكي بلا انقطاع
الأجنّة الصغيرة
الأجنّة الشاحبة الصفر
التي ترفض أن تشاهد النور
ولا تريد أن تولد.
(1994)

لقد أوضح الشاعر عبد الرحمن طهمازي جوانب هامة في تجربة البريكان الشعرية وشخصيته، في كتابه (محمود البريكان، دراسة ومختارات، دار الآداب، بيروت 1989)..(أن يقول الشاعر ما يريد لا ما يراد منه هو سحب البساط من تحت المؤسسة التي تحتكر القول وتتسلّط به.... إنّ مبالغات الوصف وتوليد الصور هي من صميم "البوستر" الشعري الذي يرغب أن يصدّقه القوم...)(عبد الرحمن طهمازي، ص12)
(... محمود البريكان، فقد حمى شاعريته بأن وضع مسافة غير قابلة للتقليص بينه وبين النشاط الأعلامي، وهذا سبب كبير في حرية التطور الخاص، الحرية التي ترعى مبادرات الشعر...) (عبد الرحمن طهمازي، ص13)

لا ربح دائم! ما خسره البريكان على صعيد الشهرة والانتشار، قد كسب مقابله منجزاً شعرياً شديد التميّز والتفرّد..
أما قصيدة (حارس الفنار) فعنوانها قد صار بمثابة لقب ثانٍ للشاعر محمود البريكان !


حارس الفنار
ـــــــــــــــــــــــــ
أعددت مائدتي.. وهيّأت الكؤوس.. متى يجيء
الزائر المجهول؟
أوقدت القناديل الصغار
ببقية الزيت المضيء.
فهل يطول الانتظار؟
أنا في انتظار سفينة الاشباحِ تحدوها الرياح
في آخر الساعات. قبل توقف الزمن الأخير.
في أعمق الساعات صمتاً. حين ينكسر الصباح
كالنصل فوق الماء حين يخاف طير أن يطير
في ظلمة الرؤيا.

سأركب موجة الرعب الكبير
وأغيب في بحر من الظلمات ليس له حدود.
أنا في انتظار الزائر الآتي، يجيء بلا خطى
ويدق دقته على بابي. ويدخل في برود.
أنا في انتظار الغامض الموعود، تحمله الرعود
والريح.
يوشك أن يحل الوقت.
الأفق الطويل
خالٍ.
وليس هناك ظل سفينة.
يبدو الوجود
كالقوس مشدوداً، ولكن لاعلامةَ للرحيل...
***
سقطت فنارات العوالمِ دون صوتٍ. الرياح
هي بعدُ سيّدة الفراغ. وكلّ متّجه مباح.
وتغيّرت طرق الكواكب فوق خارطة السماء.
الآن تكذب ألف بوصلة تشير الى الفناء
وعلى مسار الوهم ترسم خطّها القلقَ القصي.
مامن مغامرة. هو التيه المجرّد في العراء!
أتذكّر الموتى. ولون دموعهم في الزمهرير.
( ولعلّهم كانوا جميعاً قبل ذلك أبرياء )
لم يهلكوا جوعاً ولا عطشاً، وإن كانوا ظماء
ماتوا بداء الوهمِ.
ليس لطائر البحر الجميل
شكل.
وقد لا ينزف الدم من قتيل.
***
أتذكّر المدن الخفيّة في البحار
أتذكّر الأموات. والسفن الغريقة. والكنوز
وسبائك الذهب المصفّى، والعيون اللامعات
وجدائل الشعرِ الجميلة في القرار
منشورة، وأصابع الأيدي المحطّمة النحيله
مفتوحة لا تمسك الامواج.
في الطرق الظليلة
في القاع، تنتثر النياشين المدوّرة الصقيله
وتقرّ أسلحة القراصنة الكبار.
ياطالما أسريت عبر الليل، أحفر في القرار
طبقات ذاك الموت. أتبعت الدفائن في السكون
أستنطق الموتى. أرى ماكان ثم وما يكون.
وأشمّ رائحة السكون الكامل الأقصى.
أريد
أن لا أمثّل من جديد
آلام تجربة العصور.
أن لا أُقطّع بالتوتّر، أو أُسمّر بالحضور.
أبصرت آدم في تعاسته، ورافقت الجيوش
في أضخم الغزوات. نُؤتُ بحمل آلاف النعوش
غنيت آلاف المواسمِ. همت في أرض الجمال
ووصلت أطراف المحال.
ورأيت كيف تدمّر المدن المهيبة في الخفاء.
شاهدت مايكفي. وكنت الشاهد الحيّ الوحيد
في ألف مجزة بلا ذكرى،
وقفت مع المساءْ
أتأمل الشمس التي تحمّر، كان اليوم عيد
ومكبّرات الصوت قالت: كلّ إنسان هنا
هو مجرم حتى يقام على براءته الدليل.
وسمعت أبواق الغزاة تضجّ في الليل الطويل.
ورأيت كيف تشوّه الأرواح جيلاً بعد جيل.
وفزعتُ من لمعان مرآتي: لعلي كالمسوخ
مسخ تقنّعه الظلال.
وعجبت منها دمعة في القلب تأبى أن تسيل.
والدمع مهما رقّ هل يكفي لمرثية الجمال؟
*** 
الوقت أدرك. رعشة في الريحِ تعكسها الصخور
الوقت أدرك. موجة تنداح من أقصى الدهور
الوقت أدرك. لستُ وحدي.
يعرف القلب الجسور
أنّ الرؤى تمّت، وأنّ الأفق يوشك أن يدور.
أنا في انتظار اللحظة العظمى.
سينغلق المدار -
سينغلق المدار
والساعة السوداء سوف تُشّل، تجمد في الجدار
أنا في انتظار
والساعة السوداء تنبض - نبض إيقاعٍ بعيد -
رقّاصها متأرجح قلق يميل الى اليمين
الى اليسار -
الى اليمين -
الى اليسار -
الى اليسار


(حاول محمود البريكان، بقوة الأفكار وشجاعة المشاعر، أن يستأنف دعواه خارج السرب، وحين كان الشعراء من جيله ينتقلون إلى أساليب جديدة بميكانيزم عام، استطاع البريكان أن يتأكد من تفردّه، ووصل إلى إيقاع آخر غير مشترك في "حوض السبيل" حيث تسرَّع التناظر والتكرار إلى زملائه) (عبد الرحمن طهمازي، ص16)

ويتجلّى تفرّده بشكل واضح في قصيدتيه (عن الحرية) و (انتماءات)، فهو يرى الحرية كجوهر وجودي وكبعد اساسي من أبعاد الإنسان، حرية الإنسان - الفرد المعتد بنفسه وليس الذائب في المجموع والمتخلّي عن الحرية باسم الأيديولوجيات التي أجّلت قضية الحرية، بل أقْصتها، إلى الحدّ الذي صار فيه تبرير الاستبداد، أحياناً، عملاً بطولياً لصالح المجموع. وهي قضية قلّما نصادفها، بهذا الفهم، في القصيدة (والثقافة عامة) العربية بعيداً عن اشتراطاتها الظرفية. فقضية الحرية لدينا، غالباً ما تكون خاضعة للمساومات والصفقات البراغماتية، دون الإقرار بضرورتها اللامشروطة.
بحيث فقد الجميع معنى الحرية حتى من كان سيّداً للعبيد! (أليس عبداً في الصميم سيّد العبيد؟)


عن الحرّية
ـــــــــــــــــــــــ
دعوتموني لاكتشاف قارة أخرى
معاً. وأنكرتم عليّ رؤية الخريطة.
أؤثر أن أبحر في سفينتي البسيطة
فإن تلاقينا فسوف نحسن الذكرى.
***
قدّمتمو لي منزلاً مزخرفاً مريح
لقاء أغنيّه
تطابق الشروط.
أؤثر أن أبقى
على جوادي. وأهيم من مهبّ ريح
إلى مهبّ ريح
***
جئتم بوجه آخر جديد
لي، متقن حسب المقاييس المثاليِّه
شكراً لكم. لا أشتهي عيناً زجاجيه،
فماً من المطاط.
لا ابتغي إزالة الفرق. ولا أريد
سعادة التماثل الكامل.
شكراً لكم. دعوه يبقى ذلك الفاصل
أليس عبداً في الصميم سيّد العبيد؟


انتماءات
ـــــــــــــــــــــ
على المشهدْ
أسمّر نظرتي. لكنّ لي حلمي..
ولائي هو للأجمل والأبعدْ.
***
وعبر الصخب اليوميّ أنمّي صوتيَ النّاصع
وألقي وهج الفكر على الواقع.
***
أرى التاريخ مرسوماً بأكمله على نظرهْ
وأسمعه – خفيّ النبض – في صوت.
فلا ترعبني الفكرهْ
ولا يسحرني الموت
***
وعبر أسى المحطّات،
وجوع الروح والجسدْ،
وعبر النور والظلّ،
أظلّ أنشد الأبدْ
***
وحيداً أنتمي، حرّاً، إلى فكره
أرادت نحتها الموتى (ولم تُنحتْ على صخره)
إلى صوت النبوّات البدائيّ.
إلى الثورات قبل تجمّد الرؤيا.
إلى الحبّ السماويّ الذي ترفضه الدنيا.
إلى البرق الذي يكشف وجه الدهر في لحظه.
إلى حقل الجمال المزهر الأسنى.
إلى الحلم الطفوليّ الذي يخبو ولا يفنى.
إلى جزء من الإنسان في الظلمة مفقود.
إلى ما يسقط الضوء على منطقة المعنى
وما ليس بمملوكٍ. وما ليس لمجدود.


(لقد تخلّص من الإطناب الذي يساعد عليه الشكل الايقاعيّ الجديد، هذا الإطناب الذي يدخل على أسلوب الشاعر بوساطة الإيقاع ويحرمه من التجديد.) (عبد الرحمن طهمازي، ص18)

فالتكرار والأطناب، هو بمعنى من المعاني، طقس من طقوس الخضوع لما كان وما هو كائن، وانمحاء أمام وطأة الماضي وسطوة الأسلاف، وتخلٍّ عن الإبداع والإبتكار..


في الرياح التاريخية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حين توارت جثث الأموات
واتّضح المشهد
تجسّدت فظاعة المأساة
عن إرثنا الأسود
***
ميراثنا المشؤوم جوع القبور
عار ضحايانا
ميراثنا كلّ عقاب العصور
عن كلّ ما كانا
***
أنا تخليّت أمام الضباع
والوحش، عن سهمي
لا مجد للمجد، فخذ يا ضياع
حقيقتي واسمي

(إنّ خلاف الشاعر مع أغلب شعراء جيله والجيل التالي، هو خلاف يتجاوز الشعر إلى الثقافة التي تتطلّب موقفاً حرّاً قابلاً للترويج. إنه يتجنّب ادّعاءات الألفاظ التي تتفاوت مع الحقيقة. إنّ موضوعه، الذي لا يساوم عدداً مجهولاً من المضامين الجاهزة، وان لغته، لهما من الغنى بحيث لا يحتاج أن يُدخل عليهما ما يعكّرهما لدواعي الاستعراض واستهلاك القول الشعري. لم يتحول الحذق إل حذلقة...) (عبد الرحمن طهمازي، ص21)

فالبريكان بحكم ثقافته الموسوعية المتنوعة، الموسيقية (خاصة الكلاسيكية) والتشكيلية والسينمائية، كل ذلك ترك أثراً واضحاً في بنية قصائده وتميّزه بشعرية خاصة به.

أسطورة السائر في نومه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أروي لكم عن كائن يعرفه الظلام
يسير في المنام أحياناً، ولا يفيق
أصغوا إليّ أصدقائي! وهو قد يكون
أيّ امرئ يسير في الطريق
في وسط الزحام.
وقد يكون بيننا الآن. وقد يكون
في الغرفة الأخرى، يمطّ حلمه العتيق!
***
اعتاد أن ينهض حين تقرع الساعه
دقاتها السبع، ويعلو صخب الباعه
يفتح مذياعه
يصلح شاربيه أو يدهن عارضيه
ويرسم ابتسامة غبراء خدّاعه
على زوايا شفتيه، ثمّ في عجل
يمضي إلى العمل
يمرّ بالناس الكثيرين وبالأشجار
فلا يرى شيئاً. وقد يبتاع في الطريق
جريدة يقرأ منها آخر الأخبار
وهو غريق بعد في سباته العميق...
***
اعتاد أن يقوم من منامه الطويل
بعض الليالي، ثمّ ينسلّ إلى مكان
يشرب في عتمته ما شاء من خمره
ثم يعود وهو لا يذكر كم مرّه
أضاءت الكأس لعينيه، وفي الصباح
لا يذكر السكره!
***
إنّ له وجهاً كوجه الناس أجمعين
لكن إذا رأيته يلهث في العتمه
تجده كالذئب الذي أيقظت الظلمه
أسراره، فهو مخيف خشن حزين
***
يجلس في أبهى المقاهي، ينفث الدخان
ويلعب الشطرنج، أو يندسّ في الزحام
يغشى بلا اهتمام
معرض الرسوم أو متاحف الآثار،
أو مسرحاً يعلن عمّا فيه بالأنوار.
وربّما رأى صديقاً فروى نكات
وقهقها، وربّما زارا معاً فتاة
تستقبل الزوّار!
وهو كظلٍّ باهت يسير أو ينهار
في ذلك السبات!
***
ماضيه لا يعرف إلاّ أنه بعيد!
بداية غامضة من حلم مديد
ليس له مدى.
حاضره ليس له صوت ولا صدى.
منشوده! يفلت من كفيّه ما يريد.
فهو هنا شبح
وكائن وحيد
لا يعرف الفرح!
وهو نداء ميّت أبح
في مجهل بعيد...
.... .... .... ....
***
يا أصدقائي هل عرفتم ذلك المخلوق
الشاحب الذي يجفّ صوته المخنوق؟
الكائن المخدّر الهائم في المنام؟
الكائن الذي تبثّ كفّه الصفراء
من حوله أشياء
ترعبه،
أشياء
لا يمكن القبض عليها مرّة أخرى!؟
يعرفه الظلام
تعرفه برودة الليل! وقد يكون
أيّ امرئ ترونه يسير في الطريق