بشرى رسوان - نبيل محمود و المغردون خارج السرب
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=448340
حوار شامل أجرته مشكورة الاديبة بشرى رسوان.. ونشر في الحوارا لمتمدن، تناول قضايا عامة وأدبية وبعض جوانب السيرة الشخصية...
( الحاجة الجمالية هي من أرسخ الحاجات التي تميّز الكائن البشري.. ) إتيان سوريو، الجمالية عبر العصور .
البصرة تمدّ بصرها صوب شموس البحر وتودّع النوارس.. وتمسح عن خدودها وجروحها حرقة الملح.الموصل تتمعّن في المنحوتات الصخرية وتضرب رأسها بالجبال الشاهقة.أمّا بغداد فجرح متجدّد عبر التاريخ، لم تقلع عن عادتها باستبدال طغاتها بالغزاة، وبقيت على دأبها بصبغ مياه دجلتها بحمرة ويلاتها القانية. تناولت بغداد كلّ الأقراص المسكّنة ولمْ تُشفَ من هلوستها المزمنة بعد..درجة الحرارة العظمى 48 مئوية.
درجة الحرارة الصغرى 28 مئوية.
فأيّ اعتدالٍ ترتجي يا عقل؟.. وكيف تأتلف الأمزجة باختلاف الأقوام والأجناس، وتضارب المذاهب والأفكار.. يا لها من ((فطنة)) قاتلة أيّها الجاحظ؟!
ما أعجب هذا السهل المرتعد بين ثلوج الجبال وشموس الصحارى.
الريح..
فرشاة لامرئيّة في يد رسّام مجنون.
ويقولون ليلى في العراق مريضة..
وماذا عن سعاد ومريم وشيرين.....؟
وماذا عن عشّاقهن الذين غيّبتهم الحروب؟ وشتّتهم الهرج والمرج؟
من بعيد يلوّح المهاجرون الناجون من المعمعة.. فلا الدموع تُكفكفُ، ولا الجروح تندملُ.. ويستمرّ نزيف التاريخ على امتداد الجغرافيا..
المريض المحتضر لا يعوده أحد..
عند الوفاة يحضر الجميع لتمزيق الوصية، والاقتتال، لانتزاع النصيب الأعظم من الإرث!..
نبيل محمود, 28 أغسطس 2014
لقد أوضح الشاعر عبد الرحمن طهمازي جوانب هامة في تجربة البريكان الشعرية وشخصيته، في كتابه (محمود البريكان، دراسة ومختارات، دار الآداب، بيروت 1989)..(أن يقول الشاعر ما يريد لا ما يراد منه هو سحب البساط من تحت المؤسسة التي تحتكر القول وتتسلّط به.... إنّ مبالغات الوصف وتوليد الصور هي من صميم "البوستر" الشعري الذي يرغب أن يصدّقه القوم...)(عبد الرحمن طهمازي، ص12)
(... محمود البريكان، فقد حمى شاعريته بأن وضع مسافة غير قابلة للتقليص بينه وبين النشاط الأعلامي، وهذا سبب كبير في حرية التطور الخاص، الحرية التي ترعى مبادرات الشعر...) (عبد الرحمن طهمازي، ص13)
لا ربح دائم! ما خسره البريكان على صعيد الشهرة والانتشار، قد كسب مقابله منجزاً شعرياً شديد التميّز والتفرّد..
أما قصيدة (حارس الفنار) فعنوانها قد صار بمثابة لقب ثانٍ للشاعر محمود البريكان !
حارس الفنارـــــــــــــــــــــــــأعددت مائدتي.. وهيّأت الكؤوس.. متى يجيءالزائر المجهول؟أوقدت القناديل الصغارببقية الزيت المضيء.فهل يطول الانتظار؟أنا في انتظار سفينة الاشباحِ تحدوها الرياحفي آخر الساعات. قبل توقف الزمن الأخير.في أعمق الساعات صمتاً. حين ينكسر الصباحكالنصل فوق الماء حين يخاف طير أن يطيرفي ظلمة الرؤيا.سأركب موجة الرعب الكبيروأغيب في بحر من الظلمات ليس له حدود.أنا في انتظار الزائر الآتي، يجيء بلا خطىويدق دقته على بابي. ويدخل في برود.أنا في انتظار الغامض الموعود، تحمله الرعودوالريح.يوشك أن يحل الوقت.الأفق الطويلخالٍ.وليس هناك ظل سفينة.يبدو الوجودكالقوس مشدوداً، ولكن لاعلامةَ للرحيل...***سقطت فنارات العوالمِ دون صوتٍ. الرياحهي بعدُ سيّدة الفراغ. وكلّ متّجه مباح.وتغيّرت طرق الكواكب فوق خارطة السماء.الآن تكذب ألف بوصلة تشير الى الفناءوعلى مسار الوهم ترسم خطّها القلقَ القصي.مامن مغامرة. هو التيه المجرّد في العراء!أتذكّر الموتى. ولون دموعهم في الزمهرير.( ولعلّهم كانوا جميعاً قبل ذلك أبرياء )لم يهلكوا جوعاً ولا عطشاً، وإن كانوا ظماءماتوا بداء الوهمِ.ليس لطائر البحر الجميلشكل.وقد لا ينزف الدم من قتيل.***أتذكّر المدن الخفيّة في البحارأتذكّر الأموات. والسفن الغريقة. والكنوزوسبائك الذهب المصفّى، والعيون اللامعاتوجدائل الشعرِ الجميلة في القرارمنشورة، وأصابع الأيدي المحطّمة النحيلهمفتوحة لا تمسك الامواج.في الطرق الظليلةفي القاع، تنتثر النياشين المدوّرة الصقيلهوتقرّ أسلحة القراصنة الكبار.ياطالما أسريت عبر الليل، أحفر في القرارطبقات ذاك الموت. أتبعت الدفائن في السكونأستنطق الموتى. أرى ماكان ثم وما يكون.وأشمّ رائحة السكون الكامل الأقصى.أريدأن لا أمثّل من جديدآلام تجربة العصور.أن لا أُقطّع بالتوتّر، أو أُسمّر بالحضور.أبصرت آدم في تعاسته، ورافقت الجيوشفي أضخم الغزوات. نُؤتُ بحمل آلاف النعوشغنيت آلاف المواسمِ. همت في أرض الجمالووصلت أطراف المحال.ورأيت كيف تدمّر المدن المهيبة في الخفاء.شاهدت مايكفي. وكنت الشاهد الحيّ الوحيدفي ألف مجزة بلا ذكرى،وقفت مع المساءْأتأمل الشمس التي تحمّر، كان اليوم عيدومكبّرات الصوت قالت: كلّ إنسان هناهو مجرم حتى يقام على براءته الدليل.وسمعت أبواق الغزاة تضجّ في الليل الطويل.ورأيت كيف تشوّه الأرواح جيلاً بعد جيل.وفزعتُ من لمعان مرآتي: لعلي كالمسوخمسخ تقنّعه الظلال.وعجبت منها دمعة في القلب تأبى أن تسيل.والدمع مهما رقّ هل يكفي لمرثية الجمال؟***الوقت أدرك. رعشة في الريحِ تعكسها الصخورالوقت أدرك. موجة تنداح من أقصى الدهورالوقت أدرك. لستُ وحدي.يعرف القلب الجسورأنّ الرؤى تمّت، وأنّ الأفق يوشك أن يدور.أنا في انتظار اللحظة العظمى.سينغلق المدار -سينغلق المداروالساعة السوداء سوف تُشّل، تجمد في الجدارأنا في انتظاروالساعة السوداء تنبض - نبض إيقاعٍ بعيد -رقّاصها متأرجح قلق يميل الى اليمينالى اليسار -الى اليمين -الى اليسار -الى اليسار
(حاول محمود البريكان، بقوة الأفكار وشجاعة المشاعر، أن يستأنف دعواه خارج السرب، وحين كان الشعراء من جيله ينتقلون إلى أساليب جديدة بميكانيزم عام، استطاع البريكان أن يتأكد من تفردّه، ووصل إلى إيقاع آخر غير مشترك في "حوض السبيل" حيث تسرَّع التناظر والتكرار إلى زملائه) (عبد الرحمن طهمازي، ص16)
ويتجلّى تفرّده بشكل واضح في قصيدتيه (عن الحرية) و (انتماءات)، فهو يرى الحرية كجوهر وجودي وكبعد اساسي من أبعاد الإنسان، حرية الإنسان - الفرد المعتد بنفسه وليس الذائب في المجموع والمتخلّي عن الحرية باسم الأيديولوجيات التي أجّلت قضية الحرية، بل أقْصتها، إلى الحدّ الذي صار فيه تبرير الاستبداد، أحياناً، عملاً بطولياً لصالح المجموع. وهي قضية قلّما نصادفها، بهذا الفهم، في القصيدة (والثقافة عامة) العربية بعيداً عن اشتراطاتها الظرفية. فقضية الحرية لدينا، غالباً ما تكون خاضعة للمساومات والصفقات البراغماتية، دون الإقرار بضرورتها اللامشروطة.
بحيث فقد الجميع معنى الحرية حتى من كان سيّداً للعبيد! (أليس عبداً في الصميم سيّد العبيد؟)
عن الحرّيةـــــــــــــــــــــــدعوتموني لاكتشاف قارة أخرىمعاً. وأنكرتم عليّ رؤية الخريطة.أؤثر أن أبحر في سفينتي البسيطةفإن تلاقينا فسوف نحسن الذكرى.***قدّمتمو لي منزلاً مزخرفاً مريحلقاء أغنيّهتطابق الشروط.أؤثر أن أبقىعلى جوادي. وأهيم من مهبّ ريحإلى مهبّ ريح***جئتم بوجه آخر جديدلي، متقن حسب المقاييس المثاليِّهشكراً لكم. لا أشتهي عيناً زجاجيه،فماً من المطاط.لا ابتغي إزالة الفرق. ولا أريدسعادة التماثل الكامل.شكراً لكم. دعوه يبقى ذلك الفاصلأليس عبداً في الصميم سيّد العبيد؟انتماءاتـــــــــــــــــــــعلى المشهدْأسمّر نظرتي. لكنّ لي حلمي..ولائي هو للأجمل والأبعدْ.***وعبر الصخب اليوميّ أنمّي صوتيَ النّاصعوألقي وهج الفكر على الواقع.***أرى التاريخ مرسوماً بأكمله على نظرهْوأسمعه – خفيّ النبض – في صوت.فلا ترعبني الفكرهْولا يسحرني الموت***وعبر أسى المحطّات،وجوع الروح والجسدْ،وعبر النور والظلّ،أظلّ أنشد الأبدْ***وحيداً أنتمي، حرّاً، إلى فكرهأرادت نحتها الموتى (ولم تُنحتْ على صخره)إلى صوت النبوّات البدائيّ.إلى الثورات قبل تجمّد الرؤيا.إلى الحبّ السماويّ الذي ترفضه الدنيا.إلى البرق الذي يكشف وجه الدهر في لحظه.إلى حقل الجمال المزهر الأسنى.إلى الحلم الطفوليّ الذي يخبو ولا يفنى.إلى جزء من الإنسان في الظلمة مفقود.إلى ما يسقط الضوء على منطقة المعنىوما ليس بمملوكٍ. وما ليس لمجدود.(لقد تخلّص من الإطناب الذي يساعد عليه الشكل الايقاعيّ الجديد، هذا الإطناب الذي يدخل على أسلوب الشاعر بوساطة الإيقاع ويحرمه من التجديد.) (عبد الرحمن طهمازي، ص18)
فالتكرار والأطناب، هو بمعنى من المعاني، طقس من طقوس الخضوع لما كان وما هو كائن، وانمحاء أمام وطأة الماضي وسطوة الأسلاف، وتخلٍّ عن الإبداع والإبتكار..
في الرياح التاريخيةـــــــــــــــــــــــــــــــــــــحين توارت جثث الأمواتواتّضح المشهدتجسّدت فظاعة المأساةعن إرثنا الأسود***ميراثنا المشؤوم جوع القبورعار ضحاياناميراثنا كلّ عقاب العصورعن كلّ ما كانا***أنا تخليّت أمام الضباعوالوحش، عن سهميلا مجد للمجد، فخذ يا ضياعحقيقتي واسمي
(إنّ خلاف الشاعر مع أغلب شعراء جيله والجيل التالي، هو خلاف يتجاوز الشعر إلى الثقافة التي تتطلّب موقفاً حرّاً قابلاً للترويج. إنه يتجنّب ادّعاءات الألفاظ التي تتفاوت مع الحقيقة. إنّ موضوعه، الذي لا يساوم عدداً مجهولاً من المضامين الجاهزة، وان لغته، لهما من الغنى بحيث لا يحتاج أن يُدخل عليهما ما يعكّرهما لدواعي الاستعراض واستهلاك القول الشعري. لم يتحول الحذق إل حذلقة...) (عبد الرحمن طهمازي، ص21)
فالبريكان بحكم ثقافته الموسوعية المتنوعة، الموسيقية (خاصة الكلاسيكية) والتشكيلية والسينمائية، كل ذلك ترك أثراً واضحاً في بنية قصائده وتميّزه بشعرية خاصة به.أسطورة السائر في نومهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــأروي لكم عن كائن يعرفه الظلاميسير في المنام أحياناً، ولا يفيقأصغوا إليّ أصدقائي! وهو قد يكونأيّ امرئ يسير في الطريقفي وسط الزحام.وقد يكون بيننا الآن. وقد يكونفي الغرفة الأخرى، يمطّ حلمه العتيق!***اعتاد أن ينهض حين تقرع الساعهدقاتها السبع، ويعلو صخب الباعهيفتح مذياعهيصلح شاربيه أو يدهن عارضيهويرسم ابتسامة غبراء خدّاعهعلى زوايا شفتيه، ثمّ في عجليمضي إلى العمليمرّ بالناس الكثيرين وبالأشجارفلا يرى شيئاً. وقد يبتاع في الطريقجريدة يقرأ منها آخر الأخباروهو غريق بعد في سباته العميق...***اعتاد أن يقوم من منامه الطويلبعض الليالي، ثمّ ينسلّ إلى مكانيشرب في عتمته ما شاء من خمرهثم يعود وهو لا يذكر كم مرّهأضاءت الكأس لعينيه، وفي الصباحلا يذكر السكره!***إنّ له وجهاً كوجه الناس أجمعينلكن إذا رأيته يلهث في العتمهتجده كالذئب الذي أيقظت الظلمهأسراره، فهو مخيف خشن حزين***يجلس في أبهى المقاهي، ينفث الدخانويلعب الشطرنج، أو يندسّ في الزحاميغشى بلا اهتماممعرض الرسوم أو متاحف الآثار،أو مسرحاً يعلن عمّا فيه بالأنوار.وربّما رأى صديقاً فروى نكاتوقهقها، وربّما زارا معاً فتاةتستقبل الزوّار!وهو كظلٍّ باهت يسير أو ينهارفي ذلك السبات!***ماضيه لا يعرف إلاّ أنه بعيد!بداية غامضة من حلم مديدليس له مدى.حاضره ليس له صوت ولا صدى.منشوده! يفلت من كفيّه ما يريد.فهو هنا شبحوكائن وحيدلا يعرف الفرح!وهو نداء ميّت أبحفي مجهل بعيد....... .... .... ....***يا أصدقائي هل عرفتم ذلك المخلوقالشاحب الذي يجفّ صوته المخنوق؟الكائن المخدّر الهائم في المنام؟الكائن الذي تبثّ كفّه الصفراءمن حوله أشياءترعبه،أشياءلا يمكن القبض عليها مرّة أخرى!؟يعرفه الظلامتعرفه برودة الليل! وقد يكونأيّ امرئ ترونه يسير في الطريق