الأربعاء، 14 يناير 2015

إلى الأجيال المقبلة - برتولد بريشت



   هناك قصائد مؤسِّسة! ومطبوعة بملامح عصرها بقوة بحيث يستحيل التفكير بذلك العصر دون تذكّر تلك القصائد. وهي متى ما قرأناها لا تفقد راهنيتها لأنها رسمت بواقعيتها الشديدة وببساطتها أهم سمات وجوهر العصر الذي تتحدث عنه. من القصائد التي كوّنت وشكّلت الوعي الشعري بالنسبة لي منذ وقع نظري عليها أول مرة وحتى الآن قصيدة بريشت (إلى الأجيال المقبلة) بصورها ورؤاها الشاملة المتجاوزة لزمنها. وما تجاوزها لوقت كتابتها إلاّ لأنها قد التقطت الأساسي والجوهري للحياة عبر صور ومشاهد ومواقف حدثت وما زالت تحدث. وهي تبدو اليوم أصدق تعبيراً عن العالم من الوقت الذي كُتبت فيه. قصائد كهذه ستحيا زمناً طويلاً وأثرها في النفس سيبقى شديداً، لسبب بسيط جداً، وهو أن العالم يتغيّر ولكن ببطءٍ كبير بحيث يمنح هذه القصائد عمراً مديداً!!! 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلى الأجيال المقبلة
برتولد بريشت (1898 – 1956)
ترجمة عبد الغفار مكاوي

 1
حقا انني أعيش في زمن أسود!
الكلمة الطيبة لا تجد من يسمعها
الجبهة الصافية تفضح الخيانة
والذي لا يزال يضحك
لم يسمع بالنبأ الرهيب.

أي زمن هذا؟
الحديث عن الأشجار يوشك أن يكون جريمة
لأنه يعني الصمت على جرائم أشد هولا
 ذلك الذي يعبر الطريق مرتاح البال
ألا يستطيع أصحابه
الذي يعانون الضيق
أن يتحدثوا اليه؟

صحيح أنني ما زلت أكسب راتبي
ولكن صدقوني، ليس هذا إلا محض مصادفة
إذ لا شئ مما أعمله
يبرر أن آكل حتى أشبع.
صدفة أنني ما زلت حياً
(إن ساء حظي فسوف أضيع!)
يقولون لي: كلْ واشرب!
افرح بما لديك!
ولكن كيف يمكنني أن آكل وأشرب
على حين أنتزع لقمتي
من أفواه الجائعين
والكأس التي أشربها
ممن  يعانون الظمأ؟
ومع ذلك فما زلت آكل وأشرب!
نفسي تشتاق أن أكون حكيما.
الكتب القديمة تصف لنا من هو الحكيم.
هو الذي يعيش بعيدا
عن منازعات هذه الدنيا
يقضي عمره القصير
بلا خوف أو قلق.
العنف يتجنبه
والشر يقابله بالخير.
الحكمة في أن ينسى المرء رغائبه
بدل أن يعمل على تحقيقها.
غير انني لا أقدر على شئ من هذا
حقا. انني أعيش في زمن أسود.

2
أتيت هذه المدن في زمن الفوضى
وكان الجوع في كل مكان
أتيت بين الناس في زمن الثورة
فثرت معهم
وهكذا انقضى عمري
الذي قدر لي على هذه الأرض.
طعامي أكلته بين المعارك
نمت بين القتلة والسفاحين
أحببت في غير اهتمام
تأملت الطبيعة ضيق الصدر
وهكذا انقضى عمري
الذي قدر لي على هذه  الأرض.
الطرقات على أيامي كانت تؤدي للمستنقعات
كلماتي كادت تسلمني للمشنقة.
كنت عاجز الحيلة.
غير أني كنت أقضّ مضاجع الحكام
(أو هذا على الأقل ما كنت أطمع فيه)
وهكذا انقضى عمري
الذي قدر لي على هذه الأرض.

القدرة كانت محدودة
الهدف بدا بعيدا
كان واضحا على كل حال
غير أني ما استطعت أن أدركه.
وهكذا انقضى عمري
الذي قدر على هذه الأرض.

أنتم يا من ستظهرون
بعد الطوفان الذي غرقنا فيه
فكروا
عندما تتحدثون عن ضعفنا
في الزمن الأسود
الذي نجوتم منه.
كنا نخوض حرب الطبقات
ونهيم بين البلاد
نغير بلدا ببلد
أكثر مما نغير حذاء بحذاء.
يكاد اليأس يقتلنا
حين نرى الظلم أمامنا
ولا نرى أحدا يثور عليه.

نحن نعلم،
أن كرهنا للانحطاط
يشوه ملامح الوجه
وأن سخطنا على الظلم
يبح الصوت
آه : نحن الذين أردنا أن نمهد الأرض للمحبة
لم نستطع أن نحب بعضنا بعضا
أما أنتم
فعندما يأتي اليوم
الذي يصبح فيه الانسان صديقا للانسان
فاذكرونا
وسامحونا.
 
(عبد الغفار مكاوي، ثورة الشعر الحديث)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق