الأربعاء، 2 يوليو 2014

بودلير والمدينة الحديثة



تخطيط لي بقلم الفحم لبودلير
______________________________________________________________


  لقد نزع بودلير عن الشعر تلك الهالة الرومانسية، وألقى به في قلب المدينة "الحديثة". مدينة  المصانع المعتمة الرطبة النتنة، جدرانها الملطخة بالسخام وسماؤها الملوّثة بالدخان، مدينة الأحياء الفقيرة الشاحبة، مدينة البغاء والحانات التي تغسل التعاسات بكحولها الرخيص الرديء، مدينة المساحيق والبهرجة الزائفة.. المدينة التي تقيء التفاهة والشرور، المدينة التي تتجمّع فيها كلّ تناقضات الحياة الحديثة.  ويحتشد فيها العمال والعاملات والأطفال، هذه الكتلة البشرية والحشود التي تلتهمهم المصانع نهاراً، وتلفّهم الأغطية القذرة ليلاً في الجحور كالجرذان.. المدينة التي يتقاتل فيها الجنود والثوار، وتمتلئ بالمغامرين والمقامرين، ويطفو على سطحها المبهرج والبرّاق برجوازيوها المتأنقون، ومرابيوها ورجال مالها الجشعون، وسيّاسيّوها اللامعون بمساحيق الزيف والكذب.. المدينة التي تغلي فوق مرجل على وشك الإنفجار.. هذه هي المدينة التي عاش فيها بودلير وعرفها وعشقها حتى الكره! هذه هي مدينة منتصف القرن التاسع عشر الأوربية.. المدينة البورجوازية.. بكلّ تناقضاتها.. فالمدينة الحديثة خلافاً، للمدينة القديمة، موقع للانتاج الصناعي الواسع الحديث، يتجاور فيها الجمال والقبح، السعادة والشقاء، الرضى والثورة، وفيها ولدت (قصيدة النثر) كوحدة متوترة تجمع بين الفوضى والنظام، والحرية والامتثال.. إنّها جماع كلّ توتّر يتجاذب حياة الإنسان الحديث.. وقد كان بودلير من أبرز أعلامها.

   وقد اخترت قصيدة بودلير (UNE CHAROGNE) "جيفة" أو "جثة" (حسب الترجمات الكثيرة  لاعمال بودلير إلى العربية وإن كانت ترجمة "جيفة" هي الأقرب لسياق القصيدة). هذه القصيدة الصادمة للذوق التقليدي السائد عن الشعر. ففي هذه القصيدة يتجلى ذلك الفهم البودليري للجمال، الذي لا يأنف من التقاط عناصر الجمال من أكثر جوانب حياة المدينة قبحاً. وأرى في القصيدة رؤية، قد يراها البعض مغالية لدور الشعر، في حفظ الجمال الذي يتحلّل ويتفسّخ ويلتهمه الدود في نهاية المطاف.. ولن يسلم جوهره من الذبول والفناء إلاّ بواسطة شعر الشاعر الذي يخلّد الجمال ويحفظه ويكمله من الذاكرة لينقذه من الضياع والنسيان... كما ورد في نهاية القصيدة:
  
(هكذا، يا فاتنتي ! فلتقولي للدود

الذي سينهشك بالقبلات،

إنّني حفظت الشكل والجوهر الربّانيّ

لحبيباتي المتحلّلات !)

وهنا أثبتُ ترجمتين للقصيدة.. الأولى بترجمة حنا الطيار وجورجيت الطيار، والثانية بترجمة رفعت سلام..
                   _____________________________

جيفة

ترجمة: حنّا الطيّار - جورجيت الطيّار


أتذكرين يا نفسي الشيء الذي رأيناه
ذات صباح صيفي منعش
على منعطف طريق ضيق
هذه الجيفة الكريهة الراقدة على سرير من حصى
ساقاها إلى الأعلى كالمرأة الشبقة
تحترق وتنفث السموم
وتكشف عن جوف مفعم بالروائح المنتنة
بقحة وبغير اكتراث
كانت الشمس تضيء فوق هذا العفن
كأنما تريد أن تنهي طهوه
لتعيد إلى الطبيعة العظيمة
أضعاف ما جمعته منها
كانت السماء تنظر إلى الهيكل الرائع كأنه زهرة متفتحة
والنتن من شدته كان يبعث على الإغماء فوق العشب
والذباب يطوف فوق هذا البطن المتعفن
الذي كانت تخرج منه كتائب الدود الأسود
منسابة كالسائل الكثيف
على جانبي هذه المِزَق الحية
كل ذلك كان يهبط ويصعد كالموج الهادر
أو يندفع وهو يحتدم
كأني بهذا الجسد المنتفخ بنسمة غامضة
يعيش ويتكاثر
هذا العالم كان يردد موسيقا غريبة
كأنها الماء الجاري والريح
أو حبة القمح يحركها ويديرها غربال
كانت الأشكال تمّحي كأن لم تكن إلا حلمًا
أو خطوطًا أولية تبطئ في الظهور
على لوحة منسية يحاول الفنان
إكمالها من الذاكرة.
ووراء الصخور كانت كلبة قلقة
تنظر إلينا بعين حانقة
وهي تتحين الوقت الملائم
لتأخذ من الجثة القطعة التي تركتها
فيا نجمة عيني وشمس دنياي
يا ملاكي وهواي
ستصبحين يا مليكة المفاتن
يا شبيهة بهذه الجيفة بعد تلقيك الأسرار الأخيرة
عندما ترحلين وترقدين تحت العشب والزهر
لتتحللي بين الرفات
عندها يا حسنائي قولي للديدان
التي ستلتهمك بقبلاتها
إني قد احتفظت بالشكل والجوهر الإلهي
لغرامياتي التي تحللت

                     ____________________________

جثة

ترجمة: رفعت سلام


فلتستعيدي - يا نفسُ - ما شهدناه
ذلك الصباح الجميل من صيف عذب:
فعند انعطافة درب ضيق كانت جثة شائهة
على سرير مليء بالحصى،
والساقان في الهواء، مثل امرأة شبقة،
تكتوي وتنز السموم،
كانت تفتح - بطريقة لامبالية وقحة -
بطنها المليء بالروائح الكريهة.
كانت الشمس تسطع على هذا العفن،
كأنّما من أجل طهيها تماماً،
ولتقدّم إلى الطبيعة العظيمة أضعافاً مضاعفة
ممّا كان كلاًّ مترابط الأوصال،
كانت السماء تشهد هذا الهيكل العظمي الرائع
مثل زهرة تتفتّح.
وكان النتن قويّاً، حتّى لتظنّ
أنّ الإغماء سينتابك على العشب.
الذباب يطنّ على هذه البطن المتحلّلة،
التي تخرج منها أفواج سوداء
من يرقات، تنساب مثل سائل كثيف
على امتداد هذه الأسمال الحيّة.
كلّ ذلك يهبط، يصعد مثل موجة،
أو ينطلق محتدماً،
يبدو أنّ الجثة، المنتفخة بريح غامضة،
كانت تعيش حياة مضاعفة.
وكان هذا العالم يصدر موسيقى غريبة،
مثل الماء الجاري والريح،
أو الحبوب التي يهزّها المغربل بحركة إيقاعيّة
ويديرها في غرباله.
امّحت الأشكال ولم يبق سوى حلم،
رسم أوّليّ بطيء في المجيء،
إلى اللوحة المنسيّة، ولا ينجزها الفنان
إلاّ من الذكرى وحدها.
ووراء الصخور، كلبة قلقة
تنظر إلينا بعين غاضبة،
في انتظار اللحظة التي تنهش فيها من الهيكل العظمي
القطعة التي تركتها.
ومع ذلك فستكونين شبيهة بهذا الوسخ،
بهذا العفن المفزع،
يا نجمة عيوني، يا شمس طبيعتي،
أنت، يا ملاكي ونزوتي !
حقّاً ! هكذا ستكونين، يا ملكة المحاسن،
بعد القرابين الأخيرة،
عندما تمضين، تحت العشب والازدهار العميم،
في التحلّل وسْط  العظام.
هكذا، يا فاتنتي ! فلتقولي للدود
الذي سينهشك بالقبلات،
إنّني حفظت الشكل والجوهر الربّانيّ
لحبيباتي المتحلّلات !



السبت، 31 مايو 2014

النص الطباعي والملتيميديا..




النص الطباعي والملتيميديا.. الوسيط المهيمن
**************************************



المقال منشور في الحوار المتمدن العدد 4454- 2014

   الشكوى المريرة لبعض الكتّاب من انصراف الجمهور الواسع عن قراءة النصوص المكتوبة (المطبوعة) تطالعنا في كل مناسبة يدور الحديث فيها عن الكتاب كوسيط معرفي. إن عصر الطباعة قد أرسى قواعد وتقاليد راسخة للكتابة والقراءة، يصعب تصوّر التداول المعرفي خارج الشكل التقليدي للمطبوع الورقي. لقد بلغ الاحتفاء والابتهاج بالمطبوع أقصى حدّه في عبارة هيجل المنتشية ((إن قراءة الصحف هي صلاة العصر الصباحية)). لقد استغرق الانتقال من المخطوط إلى الكتاب ثم مجاورته للمجلة والصحيفة، فترة زمنية طويلة بحيث ترسّخ اعتقادٌ صار كاليقين في أذهان الناس، وهو الارتباط الوثيق والمماهاة بين المعرفة والمطبوع. لكن في أعماق هذه العملية كان هناك صراع آخر بين الكتاب والصحيفة، حيث أخذت الصحيفة والصحافة، وهي تنافس الكتاب، إلى الحدّ الذي حازت فيه على لقب ((صاحبة الجلالة))! كوسيط للتعامل مع المتغير اليومي من أحداث وأفكار. فقد نجحت الصحيفة أخيراً بترسيخ مكانتها من خلال استقطاب الكتّاب أنفسهم للكتابة من خلالها، تعبيراً عن اعترافهم بسطوة الصحف وسلطتها، عبر نشر ابداعاتهم والتعريف بنشاطاتهم في الصحف، قبل أو بعد الذهاب إلى طبعها في كتاب. لكن كل ذلك لم يشكّل تطوراً وانفصالا جذرياً خارج عالم الطباعة على الورق كوسيط مهيمن في التواصل المعرفي.

   اليوم يطرأ تطور (نوعي) وجذري، يؤشّر انتقالاً من هيمنة الشكل الطباعي إلى الشكل الرقمي المتعدد الوسائط في التواصل المعرفي. فمزايا الاشكال والألوان والأصوات والصور المتحركة باتت متاحة لحفظ ونشر وتقديم النص الكتابي، يتجاوز محدودية إمكانات الشكل الطباعي والكتاب الورقي. وعلى الكتّاب أن يستوعبوا جيداً هذه التحولات التكنولوجية الجذرية لوسائل ووسائط الحفظ والنشر وأن يكونوا في طليعة المتعاملين مع المتغيرات التكنولوجية التاريخية الجديدة، بدل البكاء على أطلال (المطبوع)! إنّ انحسار هيمنة الطباعة والمطبوع ليس نهاية المعرفة.. كما قد يتراءى للبعض. ولكنّ افاقاً جديدة لا يمكن حصر مزاياها وجمالياتها تنفتح أمام الكتّاب لحفظ ونشر وتقديم ابداعاتهم. والأمر من وجهة نظر أوسع وأكثر شمولية له دلالة أكبر من هذا التحوّل التكنولوجي في تاريخ الإنسان. فدلالته الأهم هي في نقض ذلك (التخصص الدقيق) الذي صبغ معظم نشاطات الإنسان في القرن العشرين، إنّه خطوة كبرى، بل هو قفزة كبيرة للإنسان لتجاوز بعض شروط حالة (الإغتراب) والإنقسام للذات الفردية للإنسان، عبر إتاحة الوسائل الكفيلة للفرد لممارسة الإبداع بكليّته بكافة أشكاله ومستوياته. فلم يعد الأمر، مثلاً.. بحاجة إلى إعلامي (متخصص) لتحرير خبر ما عن حدث ما بل بإمكان أي إنسان القيام بذلك (رغم ما نلمسه أحياناً من فجاجة وهوى بعيداً عن المهنية عند القيام بذلك).. ولكن الثمار لا تكون شهية ومستساغة إلاّ بعد نضجها، فالأمر ما زال في بدايته، وهذا حتماً في صالح إغناء وإثراء الوجود الإنساني الفردي على المدى البعيد، وحيازة تلك (الكلية) التي تسعى إليها الذات الإنسانية. ويبقى الأمر بحاجة إلى تلازمه مع تطورات إجتماعية وثقافية وتنظيمية واسعة لبلوغ ذلك الحلم.. إنسان (كلي) يحيا حياةً نوعية، بكل خصبها وغناها، تليق به ككائن نوعي متميّز في هذا الوجود..


لقد جرّني الحديث من مناسبة خاصة إلى آفاق (الكلي)!.. وأعود إلى شكوى الكاتب وتبرّمه من عزوف الجمهور الواسع عن الكتاب والقراءة التقليدية.. وأرى أنّ الشكوى الحقيقة هي شكوى المتلّقي من الكاتب!!! حيث يظلّ متمسّكاً بالشكل القديم للتواصل المعرفي، عالم الطباعة الورقية، فيما التكنولوجيا وتطورها يتيحان له الإستفادة، ليس فقط بتقديم ابداعه من خلال الوسائط الجديدة، ولكن لإثراء إبداعه وإفعامه بمزايا ومؤثرات إضافية، مثل الصورة والموسيقى واللوحة والشكل المتحرك.. أي الذهاب إلى القارئ الحديث من خلال وسائله الجديدة، بدلاً من انتظار القارئ الذي لن يأتي! إلى الشكل القديم من تقديم الابداع (الكتاب الورقي أو المجلة الورقية أو الصحيفة الورقية).. إنّ على المبدع أن يكون مبدعاً كذلك في تعامله مع الجديد وسبّاقاً إلى ذلك بدل النواح على ماضٍ تمّ تجاوزه! على الكاتب أن يلحق بالقارئ الذي سبقه أشواطاً في التعامل مع وسائط التواصل الجديدة للمعرفة.


   وأخيراً، كلمة حول مصطلح (النص).. والذي عادة ما يحيل إلى النص المكتوب والمطبوع. ألا يضيق مصطلح (النص) بأشكال الحفظ والنشر والوسائل المصاحبة للنص الكتابي من موسيقى ولون وحركة؟ ألا يجدر بتجاوز هذا المصطلح إلى مصطلح آخر لما يبدعه الكتّاب، مثلاً، (المؤلَّف) بدل النص.. لما يقوم به المبدع من تجاوز في عمله من كتابة النص إلى انتقاء واختيار المؤثرات المصاحبة لتقديمه من أشكال وألوان وأصوات وموسيقى.. مما يضفي على النص ذاته أبعاداً ودلالات جديدة.. مما يبعد عمله من مجرد كتابة النص إلى التأليف بمعناه الشامل كما نجده مثلاً في عمل (المخرج) للفلم السينمائي.. يظلّ هذا الموضوع رهناً بالتطور الذي سيطرأ في التعامل مع المتغيّرات الجديدة، وسيدرك النقاد المتخصّصون ضرورة البحث والسعي للتعامل ونحت المصطلحات الجديدة التي تستوعب المتغيّرات الجديدة، وهذا مفتوح على ما يتراكم من تجارب وما يتجمّع من مواد جديدة منشورة رقمياً، لاستنباط مفاهيم ومصطلحات جديدة.


   لن ينتهي الكتاب كما لم ينعدم المخطوط وفنون الخط.. والمسألة هي في الوسيط المهيمن الذي له القدرة على تمثّل كل درجة من درجات التطور لبناء سلّم متطور يرتقى بالإنسان إلى سماء الكليّة والحريّة.. وتجاوز الحدود من وجود أدنى إلى وجود أسمى وأوسع للإنسان.. هي حلقة جديدة من حلقات التطور والتجاوز من ملكوت الضرورة إلى ملكوت الحرية..

الثلاثاء، 8 أبريل 2014

(ريثما...) ينقذنا الجمال !




الحوار المتمدن - العدد :4418- 8/4/2014


قراءة في ديوان (ريثما...) للمبدعة المغربية سعيدة عفيف.

((انّ الجمال سوف ينقذ العالم.)) (دوستويفسكي، رواية الأبله)

   إنّ رهان الشاعرة تجاوز الوعد إلى الإنجاز الشعري بتقديمها قصائد تساؤل تنشد التغيير، وتروم بلوغ المثال الجمالي لوجود إنساني أكثر سموّاً. وهي ليست قصائد سكون وركون للتنميط السائد للوعي والوجدان. فالاستبصار الشعري يخلق ويؤسّس بتجاوز الرؤية الإيديولوجية الملفّقة تحت وطأة المصلحة والعادة..

((وما يدوم إنّما يؤسّسه الشعراء..)) (هلدرلن)

في زمن تتھاوى فيه كل أسس عوالمنا القديمة، وتتھافت كل الإيديولوجيات العاجزة والخطابات البالية.. يغدو الإفلات من (أزمنة غابرة تبتلعني..) ضرورة، و (أتحدّى كل رِهان واثق) فالرتق لن يخفي التمزّقات الكبرى، ولن تجدي أمام الأسئلة العميقة والتحديات العظيمة، إلاّ الرؤية التي تتحوّل إلى رؤيا تغيير كليّة تعتق الإنسان من كل الإغترابات..
 
(وذات هوس.. أمشي
خالية من كل زعامة.. أو كهانة
من كل سياسة أو كياسة)
(من قصيدة رهان)

   بأسلوب يتفادى البهرجة اللغوية والحذلقة اللفظية، ويتحاشى الصخب.. تستلهم قوة الصورة الشعرية، والعبارة الرشيقة، والوحدة العضوية المتماسكة، لتنسج قصيدتها الأنيقة. فالإفراط الشكلاني غالباً ما يتبنّاه العقل الفقير، للتمويه على خلّوه من الجوهر الفكري والوجداني. إنّ تمرّس الشاعرة وخبرتها بالكتابة القصصية والروائية مكّنها من ادراك الفروق الجوهرية بين الكتابة النثرية والكتابة الشعرية، وتشذيب قصيدتها من الشوائب والترهّل.
  
(وأزمنٌة عربية تتملَّكُنا
تيَّمَتْها الكراسي
وليست تهُم كل المآسي
تُعهِّر الحب
تُفتي بسحل وردة من لونها الأحمر
في زمن الخزي الأغبر
.....
إذ لا سقوطَ في الحب
ولا خطيئة..)
(من قصيدة في عيد الحب)

   علاقة الرجل بالمرأة، أوْلتھا الشاعرة اھتماماً واضحاً.. المرأة، ھذا (الكائن المؤجّل)، كانت ولا تزال تعاني من التلاعب بمصيرها، من قبل مجتمعٍ منتفخٍ ومنتشٍ بقيمه الذكورية. يتغنّى احتفالاً بصفاتھا الأنثوية ويغيّب جوھرھا الإنساني. إنّ الكثير من النساء، مع الأسف، يتقمّصن ھذه الرؤية الذكورية ويعكسْنھا في سلوكهن وخطابھن وأبداعهن، أو يشطحن بتبنّي بعض خطابات الحركات النسوية التي تغلو وكأنّھا خطاب ذكوري معكوس. فتضيع المرأة، كأنثى من دون أن تحقّق ذاتها كإنسان. حتى الوسط الثقافي لا يسلم من هيمنة هذا الخطاب، بتبنّيه لمصطلح (الأدب النسائي)!، مثلاً، الذي يحتفي ظاهراً بالابداع النسائي، فيما يضمر التمييز في جوهره ، وتفوح منه رائحة (الفحولة!) المختالة..

((يتضمّن تمجيد الطبع الأنثوي إذلالا للاّتي يتّصفن به جميعاً.))
(تيودور أدرنو، الأدب الصغير- أفكار ملتقطة من الحياة المشوهة، ت. ناجي العونلي، شرق غرب للنشر- ط1  2011، ص161)

   إنّ ما يُحسب للشاعرة ھو تناولها الناضج والواعي لھذه القضية، فنجدھا تشخّص الخلل في العلاقات اللاإنسانية وليس في أطرافھا. تقدّم تصوراً شعرياً يغادر كون القبيلة والجماعة والنشيد الشمولي الأحادي، فمثلاً، تشجب الصورة السلبية للمرأة، بتحريرها (شهرزاد) من أسْر الحكاية النمطية التي ترسّخت في الوعي الاجتماعي، ووضعت المرأة تحت رحمة هوى وسيف الرجل..

(أتدري..؟
كرهت أن أكون لعينيك
شهرزاد التي لا تنتهي..
في ليال لا تنتهي..
بحكايات لا تنتهي..
فلا..لا تنبس بشيء..
ولا تندهش..
فقد أحرقت مدن الوهم،
وأزمنة القهر(..
(من قصيدة قبس من نار)

   إنّ الشاعرة تؤسّس خطاباً جمالياً، وتحلم عبر إبداعھا بإحلال علاقة إنسانية، تعيد للكائن البشري إنسانيته وكرامته وحريته، أرجلاً كان أم امرأة.. تنسج الشعري بالفكري، دون الانزلاق إلى خطاب مباشر أو ھتاف أو شعار، ولا تضحّي بالشعري على صعيد الجملة أو الصورة أو بنية القصيدة ككل. فصرْح الحياة الإنسانية المتكافئة والسعيدة لا يقوم بغير الحس والمثال الجمالي، فتستعير - برمزية دالة - المرسم كفضاء، وتباشر المرأة بذاتها!، في قصيدة (ريثما...)، عملية خلق وتشكيل الكون الجديد، وما استعارتها هذه غير تأكيدٍ على البعد الجمالي للخلاص وقدرة المرأة على الخلق..

(لكم يثملني هذا الدمار الأنيق
لسراب اليقين الباهت
فتشرق وجها مكتمل الأبعاد
أرسمه لونا..
أنسجه حلما..
أعشقه كونا
أخطه حرفا..
فيكون(...
(من قصيدة ريثما)

   بقصائد مضيئة تقارب الحب بكل أحواله وأطواره، من تلاقٍ افتراق، من حضور وغياب، من اشتعال وانطفاء. ھذا المبرّح الأبدي للقلب البشري.. ومُسكِّن التياعات الروح ومُبدِّد وحشتھا.. بأسلوب عذبٍ وعميق، يتراوح بين حسيّة مرھفة حيناً وصوفية قلقة حيناً. كأنّنا نقرأ في قصيدتها أكثر من قصيدة.. 


(ويُمشِّط شعري بأغنيات الزمن الجميل
يجدل ضفائري من تنفس الحقول وطمي الجداول
بشرائط من النارنج وشقائق نعمان
ويُفصّل تنانيري ألوانا من زهو العصافير الغريبة
...................
تكلم .. تكلم .. ولا تنتهي..!
أشعر في صوتك بذوبان كل اللغات
وانحسار المسافات
فأنمو همسةً همسةً
تستيقظ حواسي .. لمسةً لمسةً
تزهو وتورق أفناني(..
(من قصيدة يا لصوتكَ)
     
   إنّ ديوان (ريثما...) يقدّم نماذج متقدّمة لقصيدة النثر، التي أصابها ما أصابها من قدح وتجريح، نتيجة توهّم البعض أنّها أسهل أشكال الكتابة الشعرية.. وتحامل النقد غير البريء ضدها. وما أبلغ إيجاز د. عواد أبو زينة للسمات الجوهرية للديوان حينما كتب (الحُلمُ والخَلْقُ والصّنعة. عوالم ثلاثة متماهية متمازجة في ديوان "ريثما".)

   ما نقرأه في ديوان المبدعة سعيدة عفيف، ھو التقابل بين وجود عنيف ومتوحش وظالم، ونزوع لعالم مفعم بالجمال والحرية الإنسانية، ھو الأمل بخلاص جمالي للإنسان.. شاعرة بقلم رشيق، تقتصد بالألفاظ وتسرف بالمعاني. ما يجعل من ديوانھا عملاً شعرياً لافتاً ومضيئاً.. تبدأ بـ (رھان) كبير، يتألّق فيه الشعر عبر قصائد متميّزة وعميقة، وتنتھي إلى جمال مشرق ينتشل الكون من وحشته، في قصيدة الديوان الأخيرة (سيدتي)..

(فجودي بابتسامة غرّاء
تبعث الدفء جهارا
بأحشاء الكون الموحش البارد
وارعَيْ جمالا
هَدْهِديه بين ذراعيك
صنوا مقيما أبد الدهر
في عينيك..)
(من قصيدة سيدتي)

الأحد، 19 يناير 2014

الشيخ والبحر..


ارنست همنغوي

لوحة قديمة من تخطيطي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ارنست همنغوي
*************

   ولد أرنست همنغوي (اللقب همنغوي هو لقب إنجليزي، ترجمت أعماله في بعض الدول العربية تحت اسم إرنست"همنجواي" وهو اسم خاطئ)، يوم   21يوليو 1899 ، دخل معترك الحياة المهنية مبكرا، حيث عمل صحفيا، أول عمل أدبي له "الشمس تشرق أيضا" التي لاقت نجاحا منقطع النظير. عام  1929 عاد مع زوجته الثانية بولين بفيفر إلى أوروبا حيث نشر واحدا من أهم أعماله هو "وداعا أيها السلاح"، ما بين 1936 و 1938عمل مراسلا حربيا لتغطية الحرب الأهلية الإسبانية، وقد سمحت له هذه المهمة بالتعبير عن عدائه الشديد للفاشية. وعام 1940 علامة فارقة في أدب همنغوي حيث نشر"لمن تقرع الأجراس" لتحقق نجاحا خارقا وتتجاوز مبيعاتها المليون نسخة في السنة الأولى.
    تميز أسلوبه بالبساطة والجمل القصيرة (الأسلوب البرقي). وترك بصمته على الأدب الأمريكي الذي صار همنغوي واحدا من أهم أعمدته. شخصيات همينغوي دائما افراد ابطال يتحملون المصاعب دونما شكوى أو ألم، وتعكس هذه الشخصيات طبيعة همنغوي الشخصية.
   حاز همنغوي جائزة بوليتزر الأميركية عام 1952 كما حصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1954 عن رواية) الشيخ والبحر) وهي تجسد قصة صراع الإنسان في الحياة، ولذة الكفاح حتى آخر العمر. وذلك من خلال سردها لتجربة صياد عجوز لم يصطد أية سمكة لأيام كثيرة (85) يوما!، حتى أن والدا الغلام الذي كان يساعده ألزماه بترك هذا الشيخ المنحوس. خرج الشيخ للصيد بقاربه إلى البحر وحيداً. وعند الظهر اصطاد سمكة ضخمة جدا (18 قدم)!، سحبت قاربه إلى الشمال والشرق لمدة يومين وليلتين. ثم تعلق بالخيط الثقيل مضاهياً بقوته وتحمله قوة وتحمل السمكة. وفي اليوم الثالث يجذب السمكة نحو السطح ويقتلها بحربته، ثم يربطها على طول قاربه، وينشر شراعه الصغير ويبدأ رحلة العودة الطويلة حيث تنقض أسماك القرش لتمزيق لحم السمكة ويحاول هو أن يقاتلها ويبعدها، فيتهشم مجذافاه ودفة القارب. وحين يعود ليرسو في المرفأ، لا يكون قد بقي شيء من السمكة سوى رأسها والهيكل العظمي والذيل. ثم يرسو بقاربه مبقياً على هيكل السمكة مربوطاً به. يصل إلى كوخه، منهك القوى.. وينام وفي الصباح يتحلّق الصيادون حول هذا الصيد العجيب..
وكما عبّر على لسان بطله ( قد يتحطّم الإنسان ولكنه لا ينهزم..) 
   توفي عام 1961 وأختلفت الروايات حول وفاته بين حادث موت غامض أو إنتحار، ومن رجّح رواية الإنتحار أستند إلى تاريخ أسرته الحافل بالانتحار. حيث انتحر والده (كلارنس همنغوي)، وأختاه غير الشقيقتين، فحفيدته.
من رواياته الشهيرة:
(الشمس تشرق أيضا) و(وداعاً للسلاح) و(لمن تقرع الأجراس) و(الشيخ والبحر) و(ثلوج كليمنجارو) و( عبر النهر نحو الأشجار)
والعديد من المجموعات القصصية.

الأربعاء، 15 يناير 2014

عودة الابن الضال



لوحة قديمة من تخطيطي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عودة الابن الضال
****************
يوسف شاهين (1926– 2008)
   وأنا أقلّب بعض الأوراق القديمة أتأمّل في بعض التخطيطات والبورتريهات (بالفحم) لبعض الشخصيات الفنية والأدبية، وقد كنت مغرماً بممارسة الرسم كهواية في وقت ما، ومنها هذا البورترييه للفنان السينمائي يوسف شاهين. هذا الفنان المتفرّد بأسلوبه في الإخراج السينمائي، والمفكر العميق الذي لايقف عند سطح الأحداث، بل يغوص في العمق الاجتماعي والتاريخي لموضوعه ليقدّم رؤية، والأقرب والأجدر أن نطلق عليها  (رؤيا)، لما فيها من تحليل عميق للأسباب واستشراف دقيق لآفاق المستقبل. لن أتحدّث عن أعمال الفنان وأسلوبه، ففي الويكيبيدبا والمواقع والمراجع الكثيرة عنه ما يُغني لمن أراد متابعة النتاج الفني لهذا الفنان المتميّز.
   إنّ أصدق وصف يمكن أن ينطبق على هذا الفنان، أنّه (فنان نقدي) لا يُسلّم بتاتاً ولا يركن أبداً إلى الخطاب الأيديولوجي السائد أو تفرعاته المتعددة والمضادة، بما تتّسم به، عادة، هذه الخطابات من سطحية وتبسيطية ساذجة، لا تجيب عن الأسئلة العميقة للعقول التي تبحث عن أجوبة حقيقية وشافية عن واقع اجتماعي- تاريخي معقّد. سأقتصر في حديثي عن فلم من أفلامه الإشكالية، (عودة الابن الضال)، هذا الفلم الذي بهرنا في نهاية سبعينيات القرن العشرين (أنتج الفلم عام1976 ) الذي هرعنا كشبّان لمشاهدته في دور السينما (شاهدته شخصياً مع بعض الأصدقاء لثلاث مرّات)، مأخوذين بالبناء الفني والفكري المركب للعمل، وما يحفل به من اغنيات معبّرة ومؤثّرة للفنانة الرائعة ماجدة الرومي، من كلمات صلاح جاهين (الذي شارك الفنان يوسف شاهين بكتابة الفلم). ولمن لا يعرف ما يعنيه عقد السبعينيات لدول المنطقة تاريخياً، لن يستطيع الإلمام بأهمية الفلم ومغزاه، فقد وضعت تلك السنوات منطقتنا ومجتمعاتنا ودولنا أمام خيارين لا ثالث لهما إمّا الإفلات من هيمنة قوى رأسمال المال العالمية، والتحرّر الفعلي واستكمال شروط التنمية والتحديث للدول الوطنية التي نشأت بعد (سايكس-بيكو)، وبناء مجتمعات حديثة تضمن للإستقلال السياسي بقاءه وتعطيه مضمونه الإنساني الراسخ ببناء بنية اجتماعية حديثة وإنسان عصري، أو البقاء في فلك التبعية للقوى الأقتصادية العالمية، والإستسلام للبنى والقيم المحلية المتخلّفة والقديمة، التي تجاوزها العصر الحديث بفكره وقيمه وعلومه. وكلّ خطاب كان يجري عن (طريق ثالث) مزعوم، ما كان إلاّ تملّصاً وهروباً من إنجاز الشروط الأجتماعية والفكرية (للحداثة)، وهذا ما كان..! وما نعيشه اليوم من تردٍّ ونكوص، إن هو إلاّ نتائج حتمية لتلك السياسات الكارثية التي كانت تهيمن على المشهد العام في تلك السنوات الحاسمة.
   أعود لـ(عودة الابن الضال) ويوسف شاهين الفنان صاحب (الرؤيا) والبصيرة .. لم نكن بعد مشاهدتنا الفلم بقادرين، حينذاك، على تمثّل واستكناه مغزى تلك النهاية الدامية للفلم، مجزرة اقتتال العائلة البرجوازية الكبيرة حتى يصرع أحدهم الآخر في مشهد من مشاهد العنف والوحشية، ولم ينجُ من تلك المجزرة إلاّ الجيل الشاب الذي يغادر نحو المستقبل (الفجر) بصحبة عائلة من الطبقة العاملة. نعم وصلتنا الرؤية النقدية للفلم لما يمكن أن ينتج عن غياب الحريات واستبداد أقلية جاهلة بمصائر الأغلبية من طبقات وفئات المجتمع، وهيمنتها على السلطة والقرار بيد من حديد، لكن تلك النهاية العنيفة والقاسية لم تكن مقنعة لنا كمصير حتمي، في ذلك الوقت المبكر، (والذي يدعوه البعض اليوم، قياساً على زمننا الدموي الراهن، "بالزمن الجميل"!)، وربّما عددناها شكلاً من أشكال الفانتازيا ومبالغاتها المعهودة!.. وما ذلك إلاّ لسبب بسيط وهو أنه لم يكن أمامنا، ولم يكن يخطر ببالنا في تلك الفترة، أن تمضي الصراعات الاجتماعية إلى هذا القدر من الوحشية والدموية التي نشهدها اليوم.. ولكن الفنان يرى بخياله الواسع ما لايراه الباحث بمنطقه الصارم!
   اليوم فقط أدرك كم كانت رؤيا يوسف شاهين متواضعة! رغم عنفها وقساوتها، اليوم حين أرى ما تضطرم به مجتمعاتنا من صراعات وحشية وشلّالات الدم التي تتدفق في المنطقة، ودولها تشارف على الإنقراض كوحدات سياسية رصينة، وتفشّي الأفكار المتطرّفة وتمكّنها من عقول أفراد مجتمعاتنا كباراً وصغاراً، والنكوص المرعب إلى أفكار وقيم ما قبل الحداثة، والتي تفضي إلى هاوية وحضيض كالتي عبّر عنها الفيلسوف الأنجليزي (هوبز).. حرب الجميع ضد الجميع.. أقول هل رأى الفنان ابعد مما يمكن وأكثر مما يُتصوّر! وهل كانت لقطتا (المهرّج) في بداية ونهاية فلم (عودة الابن الضال).. سخرية سوداء؟ مما رآه الفنان واحتجب عنا لما ينتظر مجتمعاتنا من كوارث، أشارة ساخرة ومريرة وضعها الفنان للتعبير عن (بؤس الوعي) الذي قادنا ويقودنا إلى بحور الدم الحالية، لا يستطيع أيّ خيالٍ مهما كان سوداوياً أن يتخيّله..؟!
   فلم (عودة الابن الضال) ربّما كان الوقت الحالي، هو الوقت الأنسب  لمشاهدته والتمعّن في مفرداته وتفاصيله ومآلاته الكارثية، لما نشهده كل ساعة وكل يوم من اضطراب وعنف ووحشية ودم، في الكثير من دول ومدن منطقتنا الملتهبة والمنذرة بالمزيد من المآسي والكوارث! وللتأمل في رؤى فنان من ذاك الزمان، لما سيؤول إليه واقعنا الاجتماعي من عدمية ودمار، بغضّ النظر عن التفاصيل، دولنا ومجتمعاتنا التي كانت تُقاد من قبل أحزاب ونخب سياسية وفكرية قاصرة وعاجزة عن أداء مهامها الأساسية في التقدّم والتحديث الجذري، في فترة حاسمة وفاصلة من تاريخنا.. في ظلّ عالم مضطرب وحافل بصراعات حادة وعنيفة لا يتورع عن تحويل دول بكاملها إلى هشيم، ومجتمعات بأكملها إلى جماعات مهاجرة! أو جماعات متقاتلة حدّ الفتك والإفناء التام لبعضها البعض..