بقدر ما كان منكبّاً على الاشتغال المضني
والاعتناء البالغ ببناءقصيدته، كان عازفاً وزاهداً، بشكل مؤسف، عن النشر وتقديم قصائده بشكل مجموعات شعرية، يسهل تداولها وانتشارها ودراستها، بصورة تليق بشاعر كبير، لما في أعماله
من قيم جمالية وفكرية عالية. يقول عن مفهومه للشعر:
((الشعر
هو ابن النزوع الإنساني، وموضوعه الأساس تجربة الوجود بكل شمولها. وهو تمثّل خاص
لواقع التغيير في الزمن، وقلق المصير، والتأرجح بين الراهن والمنشود. إن الموضوع
الكامن وراء موضوعات الشعر هو التوتر بين الحياة والموت. بين التحقق والضياع، وتلك العلاقة المتحولة بين الروح والعالم.))
إن قراءة سريعة لقصيدته "البدوي الذي لم ير وجهه
أحد"، مثلاً، وهي قصيدة (عظيمة!) تستحق قراءة مطولة ومتأنية، فهي قصة التيه!
الذي يمزّقنا.. فلا البدوي الذي فينا قد مات! ولا استطعنا الخلاص من غيابه الحاضر
فينا أبداً.. والبريكان في قصيدته هذه يوظّف، عبر صوره الشعرية البليغة، الدلالات
العميقة التي يضمّنها في شعره، بحيث يكثّف بشكل مذهل جوهر الوجود في مقاربته
لموضوع القصيدة. من خلال تناوله لجدلية الأبدي والعابر، الذي قصده في حديثه أعلاه
(واقع التغيير في الزمن).. فلو قرأنا هذه
القصيدة اليوم لافترضنا أنها قد كُتبتْ للتوّ، ومن وحي أحداث عصرنا العربي الراهن!
(وهذه القصيدة المنشورة في موقع أدب.. الموسوعة العالمية للشعر العربي، غير دقيقة،
حيث حُذفت منها بعض الجمل الشعرية التي أخلّت كثيراً بموضوع القصيدة!). فقد عُرف
البريكان بدقته وعنايته، في انتقاء مفرداته وصوره، في بناء نصه. بحيث أن أي حذف بسيط، يخلّف اختلالاً كبيراً في قصيدته
ويفقدها الكثير من معانيها ومضامينها وجمالياتها. لقد اعتمدت في اختيار هذه القصائد على كتاب..
(محمود
البريكان،متاهة الفراشة - قصائد مختارة، إختيار وتقديم باسم المرعبي، منشورات
الجمل، كولونيا- ألمانيا 2003)
البدوي الذي لم ير وجهه أحد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لعلك يوماً سمعت عن البدوي العجيب
الذي كتب الله أن لا يموت
وأن لا يرى وجهه أحد
(وجهه
الأول المستدير البريء
الذي غضّنته
المهالك وافترسته الحروب
وخطت عليه
المآسي علاماتها).
نمت طبقات
الزمان
على جلده.. فهو لا يتذكر صورته
صورة البدء
مستغرباً في مرايا المياه ملامحه الغامضة
أنا هو ذاك
أنا البدوي الغريب يجوب البوادي
ويطوي العصور ويعبر جيلاً فجيلا
إلى آخر الأزمنة
أنا البدوي الذي لفظته الصحارى
الذي رفضته القصور
الذي أنكرته
الشموس
الذي انطفأت
جذوات النجوم
على محجريه
أنا البدوي
المحمّل بالأوبئة
بذكرى الجنان
التي اندثرت
والبراري التي دفنتها الرياح
بصوت الينابيع
في الأودية
ولون البروق
على صخرة اللانهاية
أنا البدوي
الذي نسخته التجارب
واستعبدت روحه
المعرفة
وشلّت يديه
الأعنّة
واختبرت صهوات
الجياد إرادته
في الرحيل
الطويل.
حفظتُ أغاني
الزوابع عبر الأفق
وكنت امرأ
القيس في التيه،
والمتنبي على
الطرق النائية
وفي عزلة الروح كنت المعري رهين السجون الثلاثة،
وكنت دليل
القوافل عبر المفاوز
وكنت الذي يوقد
النار للطارقين
وكنت أنا الضيف والفارس المتوحد يأتي المضارب
محتجباً بلثام
الغموض
وكنت أنا
الزائر الهادئ المنزوي في المجالس
سمعت كلام
النبي
وآمنت.. لكن
رأيت الدماء التي انفجرت
وحروب السلالات
والقوة العارية
تمارس لعبتها وتُغيّر ألوان راياتها
أنا الشاهد
الأبدي
على الموت تسقط
ذاكرتي في الظلام.
أقمت على صخرة
الروح مملكتي
وفتحت حدود
المقادير يوماً
فمن أين دبّ
البوارُ إليّ؟
وفي أي مرحلة
في الطريق
بدأت ضلالي؟
تلاشيت بين
المقاصير
اعتصرتني المخادع
واستعبدتْ روحي
الطيّبات
إلى أن تفتّت
لحمي،
نسيت صهيل
جوادي
ولم يكن السيف
رهن يدي عندما اقتحم الآخرون
مداخل حصني
الأخير
دخلت عصوراً من
الخوف
بايعت في حضرة
السيف والنطع
خضت حروب سواي
وما عدت أذكر
مغزى حروبي
رأيت كلاب
الملوك
تطاردني في
المنام
رأيت الرجال
وهم يخدمون
كلاب السلاطين.. أو يُضحِكون
الطواشيةَ
المتخمين
وقوفاً وراء
الموائد.
وكالببغاء التي هرمت
كنت أملك هذا اللسان ولا أتذكر شيئاً
.....
.....
تخاطبني الريح
أفتح عيني،
هل كان ذلك
حلماً بعمق الزمان؟
وهل أحلم الآن؟
ها أنا في عالم يتفجّر حولي بايقاعه المتوحش
طاحونة بقوى الظلمات تدور بأسرع مما أفكر
عقول وراء المكاتب تبدع هندسة الموت
للمدن اللاهية.
صواريخ منصوبة باتجاه النجوم
جيوش تخوض حروباً خفية
أيقهر هذا الدوار؟ سأجمع أجزاء روحي
وأبحث ثانية عن مكاني واسمي ومسقط رأسي
وما ترك الدهر لي من سلالة أهلي
عسى أن يتم التعرف يوماً
أحس وراء صلابة جلدي
وراء قناعي القديم
وراء برود عظامي
أحس اختلاجة روح خفي
بصيص براءة
وبقيا من القوة الغاربة
ونازعة تُشبه البعث.
هذا الرميم
متى يتحرك؟
هذه العروق
متى تتدفق
بالدم؟
هذي اليد
الذابلة
متى تتحرر من
موتها
متى يا إلهي؟
متى؟
(البصرة
1987)
احتفاء بالأشياء الزائلة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أربع أيدٍ
تمتد إلى دفء النار معاً
وعيونٌ أربع
تتأمل طفلاً في مهده
مائدة
من زاد الفقراء
وحديث هادئ
الليل، وفيلم السهرة
أنسام الفجر ترف رفيف جناح فراشة
العشب اللين بعد الغيث
يبدو منتعشاً ونظيفاً
الموسيقى تتموج في الغرفة
عنوان كتاب ممتع
كأس الماء لظمآن
نعاس المتعب
لعب الأطفال وضجتهم
الذكرى تمرق في لحظة
خطة يوم قادم
نور الشمس
مجرد نور الشمس
أجمل ما في العالم
مشهده العابر
ومباهجه الصغرى.
طوبى لك
إن كنت بسيط القلب
فستفهم مجد الأرض
سحر الأشياء المألوفة
إيقاع الدأب اليومي
وجمال أواصر لا تبقى
وسعادة ما هو زائل!
(البصرة، آذار 1993)
الصوت
ــــــــــــــــــ
صوت، لا يشبهه صوت
يأتي من أقصى البرية
صوت كنداء إله هالك
يطلق لعنته
كتحشرج وحش مقتول
كتناوح ريح
ليست من هذا العالم.
صوت يطعن قلب الليل.
في البدء ما كان أحد
يسمعه.
ثم اعتادوا
أن يمرق في ألق مدينتهم
لا يلتفت إليه أحد
لا يتساءل عنه أحد
فلماذا وحدك
يا هذا الشاعر
تسهر ليلياً
تنتظر الصوت الغامض؟
ولماذا
لا يمكن دفع الفكرة
أن هناك شدائد قادم
وكوارث ستقع؟
(شباط 1993)
الملوك
ـــــــــــــــــــــــــ
وجوههم مؤطّرة في لوحات المتاحف
وأسماؤهم مسطّرة في كتب التاريخ
وسيَرُهُم تتحول إلى قصص مسلية
تركوا للخدم ثياب نومهم وأحذيتهم المنزلية
وطرحوا تيجانهم للمتنافسين على الملك
وخلفوا ثرواتهم لورثة عاطلين
أمّا لحوم أجسادهم
فهي حصة دود الأرض.
(1997)
بكاء الأجنّة
ــــــــــــــــــــــــــــ
في ظلامها الدامس
في غلافها الرجراج
في جحيمها السائل
تبكي دائماً
تشعر بالهدير في الخارج
بارتعادة العالم
باضطرابه
تغفو تفزّ دائماّ
على دوي الصرخات الغامض البعيد
تلتف حول رعبها
تبكي بلا انقطاع
الأجنّة الصغيرة
الأجنّة الشاحبة الصفر
التي ترفض أن تشاهد النور
ولا تريد أن تولد.
(1994)

